ثم أخبر سبحانه أن غير هؤلاء من الكفار قد سبقهم إلى هذه المقالة ، وقال بها ، فقال: {وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِى قَرْيَةٍ مّن نَّذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا ءابَاءنَا على أُمَّةٍ وَإِنَّا على آثَارِهِم مُّقْتَدُون} {مترفوها} : أغنياؤها ، ورؤساؤها ، قال قتادة: {مقتدون} : متبعون ، ومعنى الاهتداء ، والاقتداء متقارب ، وخصص المترفين تنبيهاً على أن التنعم هو سبب إهمال النظر.
ثم أمر الله سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم أن يردّ عليهم ، فقال: {قُلْ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بأهدى مِمَّا وَجَدتُّمْ عَلَيْهِ ءابَاءكُمْ} أي: أتتبعون آباءكم ، ولو جئتكم بدين أهدى من دين آبائكم ، قال الزجاج: المعنى: قل لهم أتتبعون ما وجدتم عليه آباءكم ، وإن جئتكم بأهدى منه.
قرأ الجمهور: {قُلْ أَوَلَوْ جِئْتُكُم} ، وقرأ ابن عامر ، وحفص: (قال أو لو جئتكم) ، وهو حكاية لما جرى بين المنذرين ، وقومهم ، أي: قال كلّ منذر من أولئك المنذرين لأمته ، وقيل: إن كلا القراءتين حكاية لما جرى بين الأنبياء ، وقومهم ، كأنه قال: لكل نبيّ قل ، بدليل قوله: {قَالُواْ إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافرون} .
وهذا من أعظم الأدلة الدالة على بطلان التقليد ، وقبحه ، فإن هؤلاء المقلدة في الإسلام إنما يعملون بقول أسلافهم ، ويتبعون آثارهم ، ويقتدون بهم ، فإذا رام الداعي إلى الحق أن يخرجهم من ضلالة ، أو يدفعهم عن بدعة قد تمسكوا بها ، وورثوها عن أسلافهم بغير دليل نير ، ولا حجة واضحة ، بل بمجرّد قال.