ولهذا ذم من يدعي التصوف فيتعطل عن المكاسب، ولم يكن له علم يؤخذ منه، ولا عمل صالح في الدين يقتدي به، بل يجعل همه عارية بطنه وفرجه. فإنه يأخذ منافع الناس ويضيق عليهم معاشهم، ولا يرد إليهم نفعًا، فلا طائل في مثلهم إلَّا بأن يكدروا المشارع، ويغلوا الأسعار، ولهذا الشأن كان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - إذا نظر إلى ذي سيماء سأل عنه: أله حرفة، فإن قيل: لا، سقط من عينيه.
وقد استحسن النبي - صلى الله عليه وسلم - من وفد عبد القيس لما سألهم، فقال:"ما المروءة؟"
فقالوا: العفة والحرفة.
ومن الدلالة على قبح فعل من هذا صنيعة أن اللَّه تعالى ذم من يأكل مال نفسه إسرافًا وبدارًا، فما حال من يأكل مال غيره على ذلك ولا ينيلهم عوضًا، ولا يرد عليهم بدلًا.
فمن كان مضطرًّا إلى كسب فحقه أن يقتصر على ما يسد به فقر وقته، ولا يحمل هم غده على يومه.
فمن ينفق الساعات في جمع ماله ... مخافة فقر فالذي فعل الفقر
ومن اقتصر على قدر ذلك فقد صار من المتوكلين الذين عناهم النبي - صلى الله عليه وسلم - بقوله:"لو توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصًا وتروح بطانًا".
مدح السعي وذم الكسل
من تعطل وتبطل انسلخ من الإنسانية، بل من الحيوانية، وصار من جنس الموتى، وذلك أنه إنما خص الإنسان بالقوى الثلاث ليسعى في فضيلتها، فإن فضيلة القوة الشهوية تطالبه بالمكاسب التي تنميه، وفضيلة القوة الغضبية تطالبه بالمجاهدات التي تحميه، وفضيلة القوة الفكرية تطالبه بالعلوم التي تهديه، فحقه أن يتأمل قوته، ويسبر قدر ما يطيقه، فيسعى بحسبه لما يفيده السعادة ويتحقق أن اضطرابه سبب وصوله من الذل إلى العز، ومن الفقر إلى الغنى، ومن الضعة إلى الرفعة، ومن الخمول إلى النباهة.