وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ (7) فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا ... (8) . ثم قال:
(وَمَضَى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ) إضراب منه عن ذكرهم؛ أي: تقدم حكمنا فيهم وذكر خبرهم وسنن سنتنا في الأولين منهم فيمن أطاعنا أو عصانا.
قوله تعالى: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ(9) . استقراء من أفعالهم ومقالهم ما كَسَر به حجتهم وبَيَّن به
غلطهم حتى وضح لأولي الألباب أنهم لا حياة بهم.
يقول - جل من قائل: (لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ) الذي امتنع من الأوهام أن
تكيفه، ومن العقول أن تدركه، ومن الشركاء والأنداد والأولاد والصاحبة والمثل
والنظير أن يوصف به (الْعَلِيمُ) بكل شيء إحاطة كاملة يستحيل عليها الحصر ولا
يجوز في وصفه القصر، هو لا يعجزه شيء ولا يفوته فائت فهو يعيد كما أبدأ.
(الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا ...(10) . جعل ذلك آية منه على أرض
الجنة فجر فيها أنهارها وعونها، وأنزل من الماء ماء فأخرج منها نباتها وزرعها
وأنواع أشجارها وضروب فواكهها وثمارها، وجعل عدم ذلك آية على أحوال أهل
النار فيها لا يستقرون على قرار؛ ولا يعتمدون على معتمد، ولا تقف أقدامهم أبدًا على
أرض، لا يذوقون برد الشراب ولا لذة ضجعة أبدًا، يرسب بهم الغليان ولهب النيران
تارة ويصعد بهم أخرى، نعوذ بالله من أحوال أهل النار في الدنيا وفي الآخرة وفيما
بين ذلك.
قال: (وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) عدد نعمه في
هاتين، يقول - عز من قائل: قد كانت لكم آية على وجود إرسال الرسل وإنباء
الأنبياء وجودكم السبل في الأرض هادية لكم إلى مقاصدكم، لذلك قال وقوله
الحق: (لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) بذلك إلى صحة الرسالة والنبوة.
ثم قال: (وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَنْشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا ...(11) . الذي جعل
لكم ذلك زائدًا إلى أنعمه العامة لكم دلالة على الوحدانية والرسالة والنبوة، وحسن