أما المؤمنون الطائعون لربهم فهم في روضات الجنان، ولهم ما يشتهون من النعيم والثواب الجزيل، وذلك هو الفضل الذي لا يوصف ولا تهتدي العقول إلى حقيقته، لأن الله إذا وصف الفضل بأنه الْكَبِيرُ فمن ذا الذي يقدر قدره. قال الرازي: وفي الآية تنبيه على أن الفساق من أهل الصلاة كلهم في الجنة، إلا أنه خص الذين آمنوا وعملوا الصالحات بروضات الجنات، وهي البقاع الشريعة من الجنة.
7 -يبشر الله عباده المؤمنين بالثواب العظيم حثا لهم على الطاعة، وليتعجلوا السرور، ويزدادوا منه. ولكن هذا الجزاء والبشارة، إنّما هو على الإيمان والأعمال الصالحات.
8 -عظّم الله تعالى ثواب المؤمنين من وجوه أربعة هي:
الأول- أن الله سبحانه رتب على الإيمان وعمل الصالحات روضات الجنات، وترتيب هذا الجزاء من الله صاحب السلطان الأعظم دليل على أن ذلك الجزاء قد بلغ النهاية التي لا يعلم حقيقتها إلا الله تعالى.
الثاني- أنه تعالى قال: لَهُمْ ما يَشاؤُنَ عِنْدَ رَبِّهِمْ وهذا يدخل في باب غير المتناهي.
الثالث- أنه تعالى قال: ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ وإذا كان هذا من الله الأكبر كان في غاية الكبر.
الرابع- أنه تعالى أعاد البشارة على سبيل التعظيم، فقال: الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبادَهُ وذلك يدل على غاية العظمة.
9 -إن النبي صلّى الله عليه وسلّم لم يطلب من قومه أي منفعة مادية على تبليغ الرسالة، وهذا دليل على صدقه وإخلاصه، والحد الأدنى الذي طالب به هو مراعاة قرابته من قريش. قال ابن عباس: كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أوسط الناس في قريش، فليس بطن من بطونهم إلا وقد ولده، فقال الله له: قُلْ: لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى أي لكن أذكركم قرابتي منكم.
وقد صرح أكثر الأنبياء، بنفي طلب الأجر على تبليغ الرسالة، فقال نوح عليه السلام: وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ [الشعراء 26/ 109] وكذا قال هود وصالح ولوط وشعيب عليهم السلام.