ثم أخبر سبحانه أنه أخر عذابهم إلى حين، ولم يعاجلهم بالعقاب على ما اجترحوا من تكذيب الرسول، وجحدهم بكتابه، فقال: {وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ} وقضاء نفذ منه في حق أمتك المكذبة، وهي العدة بتأخير عذابهم، وتأخير الفصل بينهم وبين المؤمنين من الخصومة إلى يوم القيامة بنحو قوله سبحانه: {بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ} وقوله: {وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى} . {لَقُضِيَ} في الدنيا، وحكم {بَيْنَهُمْ} ؛ أي: بين المكذبين والمؤمنين باستئصال المكذبين، كما فعل بمكذبي الأمم السالفة.
يقول الفقير: وإنما لم يفعل الاستئصال؛ لأن نبينا - صلى الله عليه وسلم - كان نبي الرحمة، ولأن مكة كانت مهاجر الأنبياء والمرسلين، ومهبط الملائكة المقربين، بأنواع رحمة رب العالمين، فلو وقع فيها الاستئصال .. لكانت مثل ديار عاد وثمود، ووقعت النفرة منها لقلوب الناس، وقد دعا إبراهيم عليه السلام بقوله: {فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ} فكان من حكمته أن لا يجعل الحرم المبارك الآمن مصارع السوء، وأن يقيه من نتائج سخطه. انتهى.
والمعنى: أي ولولا ما سبق من قضاء الله وحكمه فيهم بتأخير عذابهم إلى يوم القيامة .. فعجل الفصل بينهم فيما اختلفوا فيه، بإهلاك المكذبين، كما فعل بمكذبي الأمم السالفة.
ثم بين ما يقتضي إهلاكهم فقال: {وَإِنَّهُمْ} ؛ أي: وإن كفار قومك {لـ} كائنون {فِي شَكٍّ} وريب {مِنْهُ} ؛ أي: من حقية هذا القرآن {مُرِيبٍ} ؛ أي: موجب ذلك الشك للإضطراب فيه موقع في الإنكار به، والشك: عبارة عن تساوي الطرفين في التردد فيهما من غير ترجيح، والوهم: ملاحظة الطرف المرجوح، وكلاهما تصور لا حكم معه؛ أي: لا تصديق معه أصلًا، وقيل: إن المراد بالكناية: اليهود؛ أي: وإنهم في شك من التوراة مريب، والأول أولى.
أي: وإن قومك يا محمد لفي شك من أمر القرآن موجب لقلقهم واضطرابهم، فما كان تكذيبهم له عن بصيرة منهم حين قالوا ما قالوا، بل كانوا شاكين غير محققين لشيء مما كانوا فيه من عنادك ومقاومة دعوتك.