وكذلك قال تعالى: (أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ) سماهم غيبة وإن كانوا بأنفسهم حضورًا شهودًا، وسماهم موتى، وإن كانوا في الحقيقة أحياء، وسماهم صمًّا وبكمًا وعميًا وإن كانت لهم هذه الجوارح في الحقيقة؛ لما لم ينتفعوا بهذه الجوارح بالذي جعلت هذه الجوارح له وأنسيت فنفاها عنهم؛ ليعلم أن المقصود ما يشاهده الجوارح والأنفس، لا نفس هذه الجوارح والأنفس ولكن طلب ما غاب عنها وخفي؛ إذ أنفسهم في الحقيقة كانت شهودا وحضورا؛ سماهم: ميتة وأحياء وبصراء، وسماهم موتى وعميا وما ذكر؛ ليعلم أنها إنما جعلت؛ ليكتسبوا بها الحياة الدائمة، والبصر الدائم، وما ذكر من كل شيء من السمع وغيره، وكذلك هذه النعم التي جعلت؛ في الدنيا جعلت ليكتسبوا بها النعم الدائمة، فإذا لم يستعملوها فيما جعلت صاروا كما ذكر، واللَّه أعلم.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: (وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى) ، أي: عموا عنه.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: (وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى) ، أي: في الآخرة، جزاء بما نسوه في الدنيا؛ كقوله تعالى: (لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا. قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى) .
وقيل: قوله: (يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ) وعبارة عن قلة أفهامهم؛ يقال للرجل الذي لا يفهم: أنت تنادى من مكان بعيد، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ) .