يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ: {إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا} إِنَّ الَّذِينَ يَمِيلُونَ عَنِ الْحَقِّ فِي حُجَجِنَا وَأَدِلَّتِنَا، وَيَعْدِلُونَ عَنْهَا تَكْذِيبًا بِهَا وَجُحُودًا لَهَا
وَقَدْ بَيَّنْتُ فِيمَا مَضَى مَعْنَى اللَّحْدِ بِشَوَاهِدِهِ الْمُغْنِيَةِ عَنْ إِعَادَتِهَا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، وَسَنَذْكُرُ بَعْضَ اخْتِلَافِ الْمُخْتَلِفِينَ فِي الْمُرَادِ بِهِ مِنْ مَعْنَاهُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ.
اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الْمُرَادِ بِهِ مِنْ مَعْنَى الْإِلْحَادِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: أُرِيدَ بِهِ مُعَارَضَةُ الْمُشْرِكِينَ الْقُرْآنَ بِاللَّغَطِ وَالصَّفِيرِ اسْتِهْزَاءً بِهِ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: أُرِيدَ بِهِ الْخَبَرُ عَنْ كَذِبِهِمْ فِي آيَاتِ اللَّهِ
عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: «يَكْذِبُونَ فِي آيَاتِنَا»
وَقَالَ آخَرُونَ: أُرِيدَ بِهِ يُعَانِدُونَ
عَنِ السُّدِّيِّ، قَالَ:"يُشَاقُّونَ: يُعَانِدُونَ"
وَقَالَ آخَرُونَ: أُرِيدَ بِهِ الْكُفْرُ وَالشِّرْكُ
وَقَالَ آخَرُونَ: أُرِيدَ بِهِ الْخَبَرُ عَنْ تَبْدِيلِهِمْ مَعَانِي كِتَابِ اللَّهِ
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «هُوَ أَنْ يُوضَعَ الْكَلَامُ عَلَى غَيْرِ مَوْضِعِهِ» .
وَكُلُّ هَذِهِ الْأَقْوَالِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ فِي قَرِيبَاتِ الْمَعَانِي، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّحْدَ وَالْإِلْحَادَ: هُوَ الْمِيلُ، وَقَدْ يَكُونُ مَيْلًا عَنْ آيَاتِ اللَّهِ، وَعُدُولًا عَنْهَا بِالتَّكْذِيبِ بِهَا، وَيَكُونُ بِالِاسْتِهْزَاءِ مُكَاءً وَتَصْدِيَةً، وَيَكُونُ مُفَارَقَةً لَهَا وَعِنَادًا، وَيَكُونُ تَحْرِيفًا لَهَا وَتَغْيِيرًا لِمَعَانِيهَا وَلَا قَوْلَ أَوْلَى بِالصِّحَّةِ فِي ذَلِكَ مِمَّا قُلْنَا، وَأَنْ يُعَمَّ الْخَبَرُ عَنْهُمْ بِأَنَّهُمْ أَلْحَدُوا فِي آيَاتِ اللَّهِ، كَمَا عَمَّ ذَلِكَ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى.
وَقَوْلُهُ: {لَا يُخْفَوْنَ عَلَيْنَا}
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: نَحْنُ بِهِمْ عَالِمُونَ لَا يُخْفَوْنَ عَلَيْنَا، وَنَحْنُ لَهُمْ بِالْمِرْصَادِ إِذَا وَرَدُّوا عَلَيْنَا، وَذَلِكَ تَهْدِيدٌ مِنَ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ لَهُمْ بِقَوْلِهِ: سَيَعْلَمُونَ عِنْدَ وُرُودِهِمْ عَلَيْنَا مَاذَا يَلْقُونَ مِنْ أَلِيمِ عَذَابِنَا ثُمَّ أَخْبَرَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَمَّا هُوَ فَاعِلٌ بِهِمْ عِنْدَ وُرُودِهِمْ عَلَيْهِ، فَقَالَ: {أَفَمِنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ}