والمعنى: أي ادفع سفاهتهم وجهالتهم بالطريق التي هي أحسن الطرق، فقابل إساءتهم بالإحسان إليهم، والذنوب بالعفو، والغضب بالصبر والإغضاء عن الهفوات واحتمال المكاره، فإنك إن صبرت على سوء أخلاقهم مرةً بعد أخرى، ولم يقابل سفههم بالغضب، ولا أذاهم بمثله .. استحيوا من ذميم أخلاقهم، وتركوا قبيح أفعالهم.
وكان - صلى الله عليه وسلم - يقول:"صِلْ من قطعك، واعفُ عمن ظلمك، وأحسنْ إلى من أساء إليك"، وما أمر - صلى الله عليه وسلم - غيره بشيء إلا بعد التخلق به وإخراجه مخرج الجواب عن سؤال من قال: كيف أصنع مع أن الظاهر أن يقول: {فادفع} بـ {الفاء} السببية للمبالغة؟ ولذلك وضع {أَحْسَنُ} موضع الحسنة؛ لأنه أبلغ في الدفع بالحسنة، فإن من دفع بالحسنى .. هان عليه الدفع بما دونها.
ثم بين نتائج الدفع بالحسنى، فقال: {فَإِذَا} فعلت الدفع المأمور به .. صار {الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ} وشحناء؛ {كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ} ؛ أي: صديق قريب. قال مقاتل: نزلت هذه في أبي سفيان بن حرب، وذلك أنه لأن للمسلمين بعد الشدة؛ أي: شدة عداوته للنبي - صلى الله عليه وسلم - بالمصاهرة التي جعلت بينه وبين النبي - صلى الله عليه وسلم - ، ثم أسلم فصار وليا بالإِسلام، حميمًا بالمصاهرة، والأولى حمل الآية على العموم؛ أي: فإذا فعلت ذلك .. صار الذي بينك وبينه عداوة في الدين، كأنه ولي في الدين حميم؛ أي: قريب في النسب؛ أي: صار العدو كالصديق، والبعيد عنك كالقريب منك.
والمعنى: أي إنك إن فعلت ذلك .. انقلبوا من العداوة إلى المحبة، ومن البغض إلى المودة، قال عمر - رضي الله عنه - ما عاقبت من عصى الله فيك بمثل أن تطيع الله فيه، وقال ابن عباس: أمره الله تعالى في هذه الآية بالصبر عند الغضب، والحلم عند الجهل، والعفو عند الإساءة، فإذا فعل الناس ذلك .. عصمهم الله من الشيطان، وخضع لهم عدوهم.
وروي: أن رجلًا شتم قنبرًا مولى علي بن أبي طالب، فناداه علي: يا قنبر، دع شاتمك والْهُ عنه، ترضِ الرحمن، وتسخط الشيطان، وقالوا: ما عوقب الأحمق بمثل السكوت عنه، ولله در القائل: