وراح عبد القاهر يعرض من خلال كتابيه (أسرار البلاغة) ، و (دلائل الإعجاز) نماذج، يعرض للمجاز وأنواعه بالتفصيل، وإن أُخذ عليه أحيانًا القول بالمجاز في صفات الله، وقد تأثر بهذا بالطبع كل من وليه من البلاغيين، وقد كان لي بحث في هذا، فصلت فيه القول، ورددت فيه على البلاغيين قولهم بالمجاز في صفات الله - عز وجل - أرجو من كل معنيٍّ بهذه القضية أن يتناول هذا الكتاب بالقراءة، فإنه مهم في بابه.
{وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ... (34) }
فالجملة الأولى {وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ} خبرية لفظًا ومعنى، والجملة الثانية {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} إنشائية لفظًا ومعنى، والفصل بينهما لا يوهم خلاف المقصود؛ ولذا وجب الفصل بينهما
{إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (40) }
فليس المراد - كما ترى - بالأمر: {اعْمَلُوا} أن يمتثلوا فيعملوا ما يشاءون، بل المراد الزجر والتهديد حتى يقلعوا عن الإلحاد، ويكفوا عن العناد، وكأن الله سبحانه لشدة غضبه عليهم يأمرهم بما يوجب عقابهم؛ لينكل بهم أشد تنكيل، وهذا هو سر بلاغة التعبير بالأمر في مقام الوعيد والتهديد. انتهى انتهى {علوم البلاغة المعاني والبيان والبديع، لمجموعة من العلماء} ...