ألا ترى أن العدو يعود بالإحسان إليه صديقًا ، بل وليًّا حميمًا.
ويقال: إنه السَّلام يدفع ببذله - في العالم - شرهم . والإحسان
إلى المسيء درجة الأنبياء ، والأولياء ، وقد أوصى الله به ، كما ترى ،
فهو الخير الذي لا يعتاض منه ، وقد بين الله ذلك في قوله: (وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ(35) ،
فلا ينبغي للمرء أن يؤثر هواه على فوات ما أوصاه به مولاه.
وذُكر عن بعض الماضين أن الدفع بالإحسان منسوخ ، فإن كان
كما قال ، فهو منسوخ في الكفار بآية السيف ، وليس بمنسوخ في
المؤمنين ، إذ المنسوخ ينسخ بضده عند الجميع ، فهل يجوز
لأحد أن يقول: نسخ الله الدفع بالذي هو أحسن ، بالدفع الذي هو
أقبح ، إذ كان النسخ يزيل المنسوخ ويجيء بغيره ، هذا والله عظيم
سماعُه ، فكيف انتحاله ، والقول به ؟!.
وقوله: (فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ(38)
رد على الجهمية والمعتزلة ، ومن ينفي المكان ، والحد عن الله - جل الله - ويزعم: أنه ليس بنفسه في السماء وحدها دون
الأرض ، وقد قال كما ترى (فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ) وهم الملائكة ، لا يشك أحد أنهم في السماء ، وإذا كانوا عنده ، فهو - جل وتعالى - فيها بحد يعرفه من نفسه ، وإن عجز خلقه عن كنهه.
وقد لخصناه في كتاب"الرد على الباهلي"، ودللنا على خطأ قوله
في تأويل عند ما يغني عن إعادته في هذا الموضع.
قوله: (أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ) ، آية يحتج بها الجهلة في تثبيت المشيئة للشائين من خلق اللَّه ، وقد دللنا على أن مشيئتهم تبع لمشيئته ، فلا يؤثر إضافته إليهم
في القضاء السابق عليهم . ومعنى (مَا شِئْتُمْ) وعيد ليس بتخيير إذ