قد مضى قولنا فيه - في سورة الأعراف ، وحم المؤمن - بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع.
قوله: (وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ)
حجة على المعتزلة والقدرية ، إذ قد أخبر -
نصًّا - أن من زين لهم من قرنائهم سيئ أعمالهم ، هو المقيِّض
لهم ، ولا يخلو القول الذي حق عليهم من أن يكون سابقًا فيهم
قبل العمل ، أو عقوبة للعمل الذي زينه لهم قرناؤهم ، وإذا كان هو
مقيض قرنائهم ، فأيهما كان فالحجة عليهم به ظاهرة.
وقوله - تعالى إخبارًا عن الملائكة المنزلين على المستقيمين ، بعد قول
الحق ، والإقرار بربوبية الرب -: (نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ)
دليل على أن نزولهم عليهم - في الدنيا - عند
الموت ، يبشرونهم بما لهم عند الله ، ليزول حزنهم ، ويأمنوا عذاب
ربهم ، ويخرجوا من الدنيا طيبة أنفسهم بالموت ، وفي ذلك - والله
أعلم - تصديق الخبر المروي في تأويل:"من أحب لقاء الله ، أحب"
الله لقاءه"فإن من نزلت عليه ملائكة الرحمة - عند الموت -"
فبشروه ، وأمَّنوه هان عليه الموت - المكره إلى النفوس - فأحب لقاء الله.
وفي اشتراطه - جل وتعالى - نزول الملائكة بالبشارة ، على هؤلاء
دليل على أنهم لمن خالف سبيلهم ملائكة عذاب ، يبشرونهم بسخط
اللَّه ، وما يسخن أعينهم من دخول الجحيم ، والخلود في أنواع
عذابه ، فيكره لقاء الله ، ويكره الله لقاءه.
قوله - تعالى -: (ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ(34)
دليل على إشفاق الله - تبارك وتعالى - على
المؤمن ، إذ قد دله على ما يأمن به غوائل عدوه ، ودليل على أنه ندب
إلى الإحسان إلى المسيء ، لتأتلف الأمة ، ولا تفترق ، ولا تتباغض ،
وأيد هذا الخبر المرفوع:"جُبلت القلوب على حب من أحسن إليها".