قيل: فهل أنشأ الله - جل جلاله - قط - أحدًا إنشاء فناء ،
حتى يلزم من ثَبَت له صفات ذاتية إجازة التبعيض ، والأجزاء ،
والتغيير عليه ما أراهم إلا يكابرون عقولهم.
قال محمد بن علي: ولو لم يزيف القياس في نوازل
الشرائع ، ويدل على بطلانه إلا علة هؤلاء القوم ، فيما خرجناه
عليهم ، لكان جَدِيرًا بأهله رفضه ، فإنهم قد ساووهم - فيها -
حذو النعل بالنعل ، ألا ترى أن القوم أخذوا جواز التغيير على
الغائب بمشاهدة الحاضر ، فألزموه خصومهم ، وظنوا أنهم بذلك منزهوه
عما لا يليق به - عندهم - وهكذا فعل القائسون بالنازلة الملحقة بنظيرها ،
بل زادوا عليهم - في التحكم - درجة ، لأن أولئك ألزموا لحوق الأشياء
بعضها ببعض ، ولم يدعوه على الله - جل وتعالى - أنه أمرهم بذلك ،
ولا أراده منهم ، والقائسون يزعمون: أن الله - جل وتعالى - لما حظر
شيئَا بعينه حظره لعلة فيه ، وقد أراد أن تكون كل ما فيه تلك العلة ، تجري
مجراه في الحظر ، فوافقوا القوم في إلحاق العلل بعضها ببعض ، وزادوا
عليهم أنهم ادعوا على اللَّه شيئين:
أحدهما: تحريمه الشيء لعلة ، والآخر: إرادته في إجراء الشبه مجراه ، فلا أرى جرمهم
إلا ، أعظم من جرم أولئك ، لأن من أخطأ في رأي ليس كمن نسب
ذلك الرأي إلى الله جل وتعالى.
ولعلهم لم يعلموا أن هذا يلزمهم ، فقالوا بما تصوّر لهم حق فيه
عندهم . والله يغفر لنا ، ولهم.
قوله: (فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ)
دليل على أن في الأيام مشاييم وميامين ، وكذا قوله: (إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ(19) .
وقد يجوز أن يكون اليوم نحسًا عليهم - خاصة - لما أصابهم فيه ،
لا أنه جُعل نحسًا في نفسه ، والظاهر أنها نحسات ، كما قال الله:
(نَحِسَاتٍ) ، ولم يقل: عَلَيهم).
قوله: (وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ)