الفناء - حينئذ - وجواز الأسقام والأحداث والتغيير عليه ، وهذا قول
الدهرية ، ومن يزعم أن الأشياء تدبر ذواتها ، ولا يقر بمدبر ،
فلو فكر الجهال لأبصروا الدقيقة ، التي غلطوا فيها ، فأدتهم إلى إنكار
صفات الله الذاتية ، وهي ما أثرناه عليهم من موافقتهم الدهرية في هذا
المعنى ، ولو فكروا في هذا الخلق المحدث ، ولم يوجبوا التغيير عليه ،
وراعوا حكم الله عليه بالتغيير والأسقام والفناء ، لاستراحوا من
جهلهم ، وعلموا أن الأشياء - بأنفسها - لا توجب تغييرًا ، ولا
تصرفًا ، قبل أن يغيّرها مغيّر ، ويصرفها مصرف ، وأن الله - جل
جلاله - لما كان جاري الحكم على الكل ، ولم يكن أحد يجري عليه
حكمه ، أو يقهره بسلطانه استحال أن تكون صفاته الذاتية توجب
تغييرًا من أجل أن غيره من الذاتيين هو أوجب عليهم التغيير ، لا أنهم استحقوه بأنفسهم قبل إجراء مجر عليهم ، أليس هذا الخلق -
بعينه الذي أوجبت الدهرية عليه تغييرًا بنفسه - إذا أزال الله عنه حكم
التغيير في الجنَّة بقية الأبد على حالة واحدة من زوال التغيير ،
والأسقام ، والكبر ، والهرم ، والفناء عنه ، ولم يزل عنه اسم
المخلوق ، والمصنوع المركب أعضاء ، وجوارحًا ، وطولاً ، وعرضًا
وحدَّا . فما بال هؤلاء الجهلة يخالفون الدهرية في شيء ، ويتابعونها
في شيء ؟! ، ولا يدرون أن ما أوتوا من إنكار صفاته الذاتية ، من
أين أوتوا ؟.
فهلاّ يقولون: إن الجنة والنار وأهلها يفنون ، وإن من أدخل الجنة
من تافلة الدنيا إليها لا ينفعهم كينونتهم فيها ، ولا يزول التغيير ،
والأسقام ، والأحداث المغيرة ، والفناء عنهم ، لأنهم مخلوقون ،
والمخلوق يوجب خلقه جري هذه الأشياء عليه ، وإن لم يجر عليه مجر
ولم يحكم عليه حاكم.
فإن قالوا: إن أهل الجنة والنار لما نشروا أنشئوا إنشاءً غير إنشاء
الأول ، الذي أنشئوا عليه في الدنيا ، فأنشئوا إنشاء البقاء ، فكذلك
زال عنهم التغيير.