وَنَظِيرُ هَذِهِ الْآيَةِ: (وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَساراً) [الإسراء: 82] وَقَدْ مَضَى مُسْتَوْفًى.
(أُولئِكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ)
يُقَالُ ذَلِكَ لِمَنْ لَا يَفْهَمُ مِنَ التَّمْثِيلِ.
وَحَكَى أَهْلُ اللُّغَةِ أَنَّهُ يُقَالُ لِلَّذِي يَفْهَمُ: أَنْتَ تَسْمَعُ مِنْ قَرِيبٍ.
وَيُقَالُ لِلَّذِي لَا يَفْهَمُ: أَنْتَ تُنَادَى مِنْ بَعِيدٍ.
أَيْ كَأَنَّهُ يُنَادَى مِنْ مَوْضِعٍ بَعِيدٍ مِنْهُ فَهُوَ لا يسمع النداء
وَلَا يَفْهَمُهُ.
وَقَالَ الضَّحَّاكُ: (يُنادَوْنَ) يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِأَقْبَحِ أَسْمَائِهِمْ
(مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ) فَيَكُونُ ذَلِكَ أَشَدَّ لِتَوْبِيخِهِمْ وَفَضِيحَتِهِمْ.
وَقِيلَ: أَيْ مَنْ لَمْ يَتَدَبَّرِ الْقُرْآنَ صَارَ كَالْأَعْمَى الْأَصَمِّ، فَهُوَ يُنَادَى مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ فَيَنْقَطِعُ صَوْتُ الْمُنَادِي عَنْهُ وَهُوَ لَمْ يَسْمَعْ.
وَقَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَمُجَاهِدٌ: أَيْ بَعِيدٌ مِنْ قُلُوبِهِمْ.
وَفِي التَّفْسِيرِ: كَأَنَّمَا يُنَادَوْنَ مِنَ السَّمَاءِ فَلَا يَسْمَعُونَ.
وحكى معناه النقاش.
(وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كانُوا يَدْعُونَ مِنْ قَبْلُ وَظَنُّوا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ(48)
(وَضَلَّ عَنْهُمْ) أَيْ بَطَلَ عَنْهُمْ
(مَا كانُوا يَدْعُونَ مِنْ قَبْلُ) فِي الدُّنْيَا
(وَظَنُّوا) أَيْ أَيْقَنُوا وَعَلِمُوا
(مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ) أَيْ فِرَارٍ عَنِ النَّارِ.
وَ (مَا) هُنَا حَرْفٌ وَلَيْسَ بِاسْمٍ، فَلِذَلِكَ لَمْ يَعْمَلْ فِيهِ الظَّنُّ وَجَعَلَ الفعل ملغى، تقديره: وظنوا أنهم ما لهم مَحِيصٌ وَلَا مَهْرَبٌ.
يُقَالُ: حَاصَ يَحِيصُ.
حَيْصًا وَمَحِيصًا إِذَا هَرَبَ.
وَقِيلَ: إِنَّ الظَّنَّ هُنَا الَّذِي هُوَ أَغْلَبُ الرَّأْيِ، لَا يَشُكُّونَ فِي أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ وَلَكِنْ يَطْمَعُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا.
وَلَيْسَ يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ لَهُمْ ظَنٌّ ورجاء إلى أن يؤيسوا.
(سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ(53)
قَوْلُهُ تعالى: (سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ)