وحاصل معنى الآية: أي أفلم يسر هؤلاء المجادلون في آيات الله من مشركي قريش في البلاد، فإنهم أهل سفر إلى الشام واليمن، فينظروا فيما وطئوا من البلاد إلى ما حلّ بالأمم قبلهم، ويشاهدوا ما أحللنا بهم من بأسنا حين تكذيبهم رسلنا، وجحودهم بآياتنا، وكيف كانت عاقبة أمرهم، وقد كانوا أكثر منهم عددًا، وأشد بطشًا، وأقوى جندًا، وأبقى في الأرض أثرًا؛ لأنهم كانوا ينحتون من الجبال بيوتًا، ويتخذون مصانع، ويبنون أهرامًا ضخمة، فلما جاءهم بأسنا، وحلّت بهم نقمتنا .. لم يغن ذلك عنهم شيئًا، ولا ردّ عنهم العذاب الذي حل بهم.
83 -و {الفاء} في قوله: {فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ} ؛ أي: بالمعجزات والدلالات الواضحة تفسيرية وتفصيلية لما أبهم وأجمل من عدم الإغناء، إذ التفسير يعقب المفسّر، وقد كثر في الكلام مثل هذه الفاء ومبناها على التفسير بعد الإبهام والتفصيل بعد الإجمال {فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ} ؛ أي: أظهروا الفرح بذلك، واستحقروا علم الرسل، والمراد بعلمهم: ما لهم من العقائد الزائفة، والشبه الباطلة، كما قالوا: لا نبعث ولا نعذّب، وما أظنّ الساعة قائمة ونحو ذلك، وتسميتها علمًا مع أنّ الاعتقاد الغير المطابق للواقع حقّه أن يسمّى جهلًا؛ للتهكُّم بهم، فهي علم على زعمهم لا في الحقيقية، أو المراد: علمهم بأمور الدنيا، ومعرفتهم بتدبيرها، كما قال: {يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ (7) } .