82 -و {الهمزة} في قوله: {أَفَلَمْ يَسِيرُوا} : للاستفهام التوبيخي المضمّن للإنكار، و {الفاء} : عاطفة على مقدر يقتضيه السياق؛ أي: أقعد قومك قريش في منازلهم فلم يسيروا ولم يسافروا {فِي} نواحي {الْأَرْضِ} وأرجائها {فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ} كانوا {مِنْ قَبْلِهِمْ} من الأمم المهلكة فيعتبروا بهم؛ يعني: أنهم قد ساروا في أطراف الأرض، وسافروا إلى جانب الشام واليمن، وشاهدوا مصارع المكذبين من الأمم السالفة، وآثارهم، فليحذروا من مثل عذابهم، فلا يكذّبوك يا محمد، فإن الآثار الموجودة في ديارهم تدل على ما نزل بهم من العقوبة، وما صاروا إليه من سوء العاقبة.
ثمّ بيّن سبحانه أن تلك الأمم كانوا فوق هؤلاء في الكثرة والقوة، فقال: {كَانُوا} ؛ أي: تلك الأمم {أَكْثَرَ} عددًا {مِنْهُمْ} ؛ أي: من قومك {قُوَّةً} في الأبدان والعدد {وَآثَارًا} باقية بعدهم {فِي الْأَرْضِ} من الأبنية والقصور والمصانع وهي جمع مصنعة بفتح النون وضمها شيء كالحوض يجمع فيه ماء المطر، ويقال له: الصهريج وأكثر بلاد العرب محتاجة إلى هذا لقلة الماء الجاري والآبار فيها؛ أي: كانوا أكثر منهم عددًا، وأقوى منهم أجسادًا، وأوسع منهم أموالًا، وأظهر منهم آثارًا في الأرض بالعمائر والمصانع والحرث {فَمَا أَغْنَى} ودفع {عَنْهُمْ} ؛ أي: عن تلك الأمم المهلكة {مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} ؛ أي: كسبهم أو مكسوبهم من الأموال والأولاد شيئًا من عذاب الله تعالى حين جاءهم؛ فإذا لم تفدهم تلك المكنة العظيمة إلا الخبيبة والخسار .. فكيف هؤلاء الفقراء المساكين، ويجوز أن تكون {مَا} الأولى استقهامية؛ أي: أيّ شيء أغنى عنهم، أو نافية؛ أي: لم يغن عنهم، و {مَا} الثانية: يجوز أن تكون موصولة، وأن تكون مصدرية، وهذه {الفاء} ؛ أعني: قوله: {فَمَا أَغْنَى} لبيان عاقبة كثرتهم وشدة قوتهم، وما كانوا يكسبون بذلك، زعمًا منهم أنَّ ذلك يغني عنهم، فلم يترتب عليه إلا عدم الإغناء، فهذا الاعتبار جرى مجرى النتيجة، وإن كان عكس الغرض ونقيض المطلوب، كما في قولك: وعظته فلم يتعظ؛ أي: لم يترتب عليه إلا عدم الاتعاظ، مع أنه عكس المتوقع.