81 -ثمّ ذكر أنّ هناك آيات من آياته الباهرة، التي لا مجال لإنكارها، فقال: {وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ} ؛ أي: يبين لكم سبحانه دلائله الدالة على كمال قدرته ووفور رحمته {فَأَيَّ آيَاتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ} فإن كلًّا منها من الظهور بحيث لا يكاد يتجرأُ على إنكارها من له عقل في الجملة؛ أي: فإنها كلها من الظهور وعدم الخفاء، بحيث لا ينكرها منكر، ولا يجحدها جاحد، وفيه تقريع لهم وتوبيخ عظيم.
والمعنى: أَيْ أَيَّ آيَةٍ من تلك الآيات تنكرون، فإنها لظهورها لا تقبل الإنكار، وإضافة الآيات إلى الاسم الجليل لتربية المهابة، وتهويل إنكارها كما سيأتي.
فَإِنْ قُلْتَ: كان الظاهر أن يقال: فأية آيات الله بتاء التأنيث، لكون {أيّ} عبارةً عن المؤنث لإضافته إليها؟
قلت: تذكير {أيّ} هو الشائع المستفيض، والتأنيث قليل؛ لأنّ التفرقة بين المذكّر والمؤنث في الأسماء غير الصفات نحو حمار وحمارة، وإنسان وإنسانة غريب، وهو في (أيّ) أغرب لإبهامه، فإن قصد التمييز والتفرقة ينافي الإبهام، وهذا في غير النداء، فإن اللغة الفصيحة الشانعة أن تؤنث أيّ الواقعة في نداء المؤنث، كما في قوله تعالى: {يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (27) } ولم يسمع أن يقال: يا أيها المرأة بالتذكير، ومن قلة تأنيث أيّ قوله:
بِأَيِّ كِتَابٍ أَمْ بِأَيَّةِ سُنَّةٍ ... تَرَى حُبَّهُمْ عَارًا عَلَيَّ وَتَحْسَبِ
واعلم: أنّ جميع أجزاء العالم آيات بينات، وحجج واضحات، ترشدك إلى وحدانية الله تعالى وكمال قدرته.
وَفِي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ آيَةٌ ... تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ وَاحِدُ
لكن هداية الله تعالى إلى جهة الإرشاد، وكيفيته أصل الأصول.
والمعنى: أي إنّ له تعالى آيات يراها خلقه عيانًا، ويشاهدونها متجدّدةً كل يوم، وفي كل آن فأيًا منها تنكرون، وبأيها تعترفون، وهي ظاهرة بادية للعيان لا سبيل إلى جحدها.
وقصارى ذلك: أنكم لا تقدرون على إنكار شيء من آياته، إلا أن تعاندوا وتكابروا.