فلما جاءتهم الرسل بعلوم الديانات، وهي أبعد شيء من علمهم، لبعثها على رفض الدنيا، والإعراض عن الملاذّ والشهوات .. لم يلتفتوا إليها، وصغّروها واستهزؤوا بها، واعتقدوا أنه لا علم أنفع وأجلب للفوائد من علمهم، ففرحوا به، أو المراد: علم الفلاسفة والدهريين، وهو علم الطبائع والتنجيم، فإن الحكماء كانوا إذا سمعوا بوحي الله .. دفعوه، وصغّروا علم الأنبياء بالنسبة إلى علمهم، ويكتفون بما يكسبونه بنظر العقل، ويقولون: نحن قوم مهتدون فلا حاجة بنا إلى من يهدينا، كما قال سقراط لما ظهر موسى عليه السلام: نحن قوم مهذّبون، لا حاجة بنا إلى من يهذّبنا، وكان أبو جهل يكنى في الجاهلية بأبي الحكم؛ لأنهم يزعمون أنه عالم ذو حكمة، فكناه النبيّ - صلى الله عليه وسلم - بأبي جهل، لأنه لو كان له علم حقيقة .. لآمن بالرسول عليه السلام، وقيل: الذين فرحوا بما عندهم من العلم هم الرسل، وذلك أنه لما كذّبهم قومهم .. أعلمهم الله تعالى بأنه مهلك الكافرين، ومنجي المؤمنين ففرحوا بذلك، أو المراد فرحوا بما عند الرسل من العلم فرح ضحك منه، واستهزاء به، كأنه قال: استهزؤوا بالبينات وبما جاؤوا به من علم الوحي، فرحين به مرحين، ويدل عليه قوله: {وَحَاقَ بِهِمْ} ؛ أي: نزل بالكفار وأصحابهم {مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} ؛ أي: وبال استهزائهم بالأنبياء، واستحقارهم لعلومهم، وما أخبروا به من العذاب ونحوه، فلم يعجزوا الله في مراده منهم.
والمعنى: أي فلما جاء هذه الأمم المكذّبة للرسل من أرسلوا إليهم بالأدلة الواضحة، والبراهين الظاهرة .. فرحوا بما عندهم من شبهات ظنّوها علمًا نافعًا، كقولهم: {وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ} ، وقولهم: {لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا} ، وقولهم: {مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ} ولكن حل بهم ما كانوا يستعجلون به رسلهم استهزاءً وسخريةً.