84 -ثمّ ذكر حالهم حين عاينوا العذاب فقال: {فَلَمَّا رَأَوْا} ؛ أي: فلما رأت الأمم السالفة المكذبة، وعاينوا {بَأْسَنَا} ؛ أي: شدّة عذابنا في الدنيا، ووقعوا في مذلة الخيبة، ومنه قوله تعالى: {بِعَذَابٍ بَئِيسٍ} ؛ أي: شديد .. {قَالُوا} مضطزين {آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ} لا شريك له {وَكَفَرْنَا} ؛ أي: حجدنا {بِمَا كُنَّا بِهِ} ؛ أي: بسبب الإيمان به يعنون الأصنام التي يعبدونها، وهذه {الفاء} : لمجرد التعقيب، وجعل ما بعدها تابعًا لما قبلها، واقعًا عقيبه؛ لأن مضمون قوله تعالى: {فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ} إلخ. هو أنهم كفروا، فصار مجموع الكلام بمنزلة أن يقال: فكفروا ثم لما رأوا باسنا .. آمنوا.
أي: فلما عاينوا عذابنا النازل بهم .. قالوا: آمنا بالله، وكفرنا بتلك المعبودات الباطلة، والآلهة الزائفة، التي لا تجدي فتيلًا ولا قطميرًا.
ثم بيّن أن ذلك لا يفيدهم شيئًا، فقد فات الأوان، فلا يفيد الندم ولا الاعتراف بالحق شيئًا.
نَدِمَ الْبُغَاةُ وَلاتَ سَاعَةَ مَنْدَمِ ... والْبَغْيُ مَرْتَعُ مُبْتَغِيْهِ وَخِيْمُ
85 -فقال سبحانه: {فَلَوْ يَكُ} أصله يكن حذفت النون لكثرة استعماله {يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ} ؛ أي: تصديقهم بالوحدانية اضطرارًا، وقوله: {إيمانهم} : يجوز أن يكون اسم {كان} و {يَنْفَعُهُمْ} : خبره مقدما عليه، وأن يكون فاعل {يَنْفَعُهُمْ} واسم {كان} : ضمير الشأن المستتر فيه {لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا} ؛ أي: حين رؤيتهم شدة عذابنا، والوقوع فيه لامتناع قبوله حينئذٍ امتناعًا عاديًا، كما يدل عليه قوله: {سُنَّتَ اللَّهِ ...} إلخ.
فامتنع القبول؛ لأنهم لم يأتوا به في الوقت المأمور به، لذلك قيل: {فَلَمْ يَكُ} بمعنى: لم يصحّ ولم يستقم، فإنه أبلغ في نفي النفع من لم ينفعهم إيمانهم، وهذه الفاء: للعطف على {آمَنُوا} كأنه قيل: فآمنوا فلم ينفعهم، لأنّ النافع هو الإيمان الاختياري الواقع مع القدرة على خلافه، ومن عاين نزول العذاب .. لم يبق له القدرة على خلاف الإيمان فلم ينفعه، وعدم نفعه في الدنيا دليل على عدم نفعه في الآخرة.