فموقع المعطوف بـ (ثمّ) هنا كموقع المعطوف بها في قول أبي نواس:
قُل إن ساد ثم سادَ أبوه...
قَبله ثم سادَ من قبلُ جدُّه
من حيث كانت سيادة جدّه أرسخت له سيادة أبيه وأعقبت سيادة نفسه ، وهذا استعمال موجود بكثرة.
وصيغ (قيلَ) بصيغة المضيّ لأنه محقق الوقوع فكأنه وقع ومَضى وكذلك فعل {قَالُوا ضَلُّوا} .
والقائل لهم: ناطق بإذن الله.
و (أين) للاستفهام عن مكان الشيء المجهول المكان ، والاستفهام هنا مستعمل في التنبيه على الغلط والفضيحة في الموقف فإنهم كانوا يزعمون أنهم يعبدون الأصنام ليكونوا شفعاء لهم من غضب الله فلما حق عليهم العذاب فلم يجدوا شفعاء ذكروا بما كانوا يزعمونه فقيل لهم {أيْنَ ما كُنْتُم تُشْرِكُون مِن دُوننِ الله} ، فابتدروا بالجواب قبل انتهاء المقالة طمعاً في أن ينفعهم الاعتذار.
فجملة {قَالُوا ضَلُوا عنا} معترضة في أثناء القول الذي قيل لهم ، ومعنى {ضَلُوا} غابوا كقوله: {أإذا ضللنا في الأرض أإنا لفي خلق جديد} [السجدة: 10] أي غُيبنا في التراب ، ثم عرض لهم فعلموا أن الأصنام لا تفيدهم.
فأضربوا عن قولهم: {ضَلُوا عَنَّا} وقالوا: {بَلْ لَمْ نَكُن نَدْعُوا مِن قَبْلُ شَيْئَاً} أي لم نكن في الدنيا ندعو شيئاً يغني عنا ، فنفي دعاء شيء هنا راجع إلى نفي دعاء شيء يُعتدّ به ، كما تقول: حسبتُ أن فلاناً شيء فإذا هو ليس بشيء ، إن كنتَ خبرته فلم تر عنده خيراً.
وفي الحديث:"سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الكهان فقال:"ليسوا بشيء"أي ليسوا بشيء معتدّ به فيما يقصدهم الناس لأجله ، وقال عباس بن مرداس:"
وقد كنت في الحرب ذا تدراء
فلم أعط شيئاً ولم أمنع...
وتقدم عند قوله تعالى: {لستم على شيء حتى تقيموا التوراة والإنجيل} في سورة [العقود: 68] ، إذ ليس المعنى على إنكار أن يكونوا عبدوا شيئاً لمنافاته لقولهم: {ضَلُّوا عَنَّا} المقتضي الاعترافَ الضمني بعبادتهم.