أي مثل هَؤُلَاءِ المنكرين فَهَذَا اسْتِدْلَال بشمول الْقدر للنوعين وَأَنَّهَا صَالِحَة لَهما فَلَا يجوز أَن يثبت تعلقهَا بِأحد المقدورين دون الآخر فَكَذَلِك قَوْله لخلق السَّمَاوَات وَالْأَرْض أكبر من خلق النَّاس أي من لم تعجز قدرته عَن خلق الْعَالم الْعلوِي والسفلي كَيفَ يعجز عَن خلق النَّاس خلقا جَدِيدا بعد مَا أماتهم وَلَا تعرض فِي هَذَا لأحكام النُّجُوم بِوَجْه قطّ وَلَا لتأثير الْكَوَاكِب وأما قوله تَعَالَى: ويتفكرون فِي خلق السَّمَاوَات وَالْأَرْض رَبنَا مَا خلقت هَذَا بَاطِلا فَلَا ريب أَن خلق السَّمَاوَات وَالْأَرْض من أعظم الْأَدِلَّة على وجود فاطرهما وَكَمَال قدرته وَعلمه وحكمته وانفراده بالربوبية والوحدانية وَمن سوى بَين ذَلِك وَبَين البقة وَجعل الْعبْرَة وَالدّلَالَة وَالْعلم بِوُجُود الرب الْخَالِق البارئ المصور مِنْهُمَا سَوَاء فقد كَابر وَالله سُبْحَانَهُ إِنَّمَا يَدْعُو عباده على النّظر والفكر فِي مخلوقاته الْعِظَام لظُهُور أثر الدّلَالَة فِيهَا وبديع عجائب الصَّنْعَة وَالْحكمَة فِيهَا واتساع مجَال الْفِكر وَالنَّظَر فِي أرجائها وَألا
فَفِي كل شَيْء لَهُ آيَة ... تدل على أَنه وَاحِد ...
وَلَكِن أَيْن الْآيَة وَالدّلَالَة فِي خلق الْعَالم الْعلوِي والسفلي إِلَى خلق القملة والبرغوث والبقة؟
فَكيف يسمح لعاقل عقله أَن يُسَوِّي بَينهمَا، وَيجْعَل الدّلَالَة من هَذَا كالدلالة من الآخر؟
وَالله سُبْحَانَهُ إِنَّمَا يذكر من مخلوقاته للدلالة عَلَيْهِ أشرفها وأظهرها للحس وَالْعقل وأبينها دلَالَة وأعجبها صَنْعَة كالسماء وَالْأَرْض وَالشَّمْس وَالْقَمَر وَاللَّيْل وَالنَّهَار والنجوم وَالْجِبَال والسحاب والمطر وَغير ذَلِك من آياته، وَلَا يَدْعُو عباده إِلَى التفكر فِي الْقمل والبراغيث والبعوض والبق وَالْكلاب والحشرات وَنَحْوهَا إِنَّمَا يذكر مَا يذكر من ذَلِك فِي سِيَاق ضرب الْأَمْثَال مُبَالغَة فِي الاحتقار والضعف كَقوله تَعَالَى: {إن الَّذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا وَلَو اجْتَمعُوا لَهُ وَإِن يسلبهم الذُّبَاب شَيْئا لَا يستنفذوه مِنْهُ}