ولا شك أن قول فرعون هذا بجانب دلالته على أنه بلغ الغاية في الطغيان والفجور والاستخفاف بالعقول، يدل - أيضا - على شدة خداعه، إذ هو يريد أن يتوصل من وراء هذا القول إلى أنه ليس هناك إله سواه ولو كان هناك إله سواه لشاهده هو وغيره من الناس.
قال الإمام ابن كثير: وذلك لأن فرعون بنى هذا الصرح، الذي لم ير في الدنيا بناء أعلى منه، وإنما أراد بهذا أن يظهر لرعيته تكذيب موسى فيما قاله، من أن هناك إلها غير فرعون .. .
وقال الجمل في حاشيته ما ملخصه: وقول فرعون هذا المقصود منه التلبيس والتمويه والتخليط على قومه توصلا لبقائهم على الكفر، وإلا فهو يعرف حقيقة الإله، وأنه ليس في جهة، ولكنه أراد التلبيس، فكأنه يقول لهم: لو كان إله موسى موجودا لكان له محل، ومحله إما الأرض وإما السماء، ولم نره في الأرض، فيبقى أن يكون في السماء، والسماء لا يتوصل
إليها إلا بسلم .. .
ثم بين - سبحانه - أن مكر فرعون هذا مصيره إلى الخسران فقال: وَكَذلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ، وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَما كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبابٍ.
والتباب: الهلاك والخسران، يقال: تب الله - تعالى - فلانا، أي: أهلكه، وتبت يدا فلان، أي: خسرتا ومنه قوله - سبحانه -: تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ ....
أي: ومثل ذلك التزيين القبيح، زين لفرعون سوء عمله، فرآه حسنا، لفجوره وطغيانه، وصد عن سبيل الهدى والرشاد، لأنه استحب العمى على الهدى. وما كيد فرعون ومكره وتلبيسه واحتياله في إبطال الحق، إلا في هلاك وخسران وانقطاع.
ثم حكى القرآن الكريم أن الرجل المؤمن قد تابع حديثه ونصائحه لقومه، بعد أن استمع إلى ما قاله فرعون من باطل وغرور فقال: وَقالَ الَّذِي آمَنَ يا قَوْمِ اتَّبِعُونِ .. أي: فيما أنصحكم به، وأرشدكم إليه.
أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشادِ أي: اتبعونى فيما نصحتكم به، فإن في اتباعكم لي هدايتكم إلى الطريق الذي كله صلاح وسعادة وسداد. أما اتباعكم لفرعون فيؤدى بكم إلى طريق الغي والضلال.
يا قَوْمِ إِنَّما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا مَتاعٌ ... أي: هذه الدنيا متاع زائل مهما طالت أيامه ..