يَوْمٌ تُذَلُّ فِيهِ الأَعْنَاقُ لِهَيْبَةِ الْخَلاقِ, وَيَخْسَرُ أهل الشقاق بِالرِّيَاءِ وَالنِّفَاقِ, وَتَشْهَدُ الصُّحُفُ وَالأَوْرَاقُ بِالأَعْمَالِ وَالأَخْلاقِ, وَتَسِيلُ دُمُوعُ الآمَاقِ مِنَ الأَحْدَاقِ عَلَى تَفْرِيطِ الأَبَاقِ, وَيَضِيقُ عَلَى الْعُصَاةِ الْخَنَاقُ إِذَا عَزَّ الإِعْتَاقُ, وَتَبْرُزُ الْجَحِيمُ فِيهَا الْحَمِيمُ وَالْغَسَّاقُ مُعَدٌّ لِلْفُجَّارِ وَالْفُسَّاقِ, لَفَحَتْهُمْ فَأَحَالَتْ جَمَالَهُمْ وَمَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ, وَاطّلَعَتْ عَلَى الأَفْئِدَةِ وَبَوَاطِنِ الأَعْمَاقِ يَحُلُّونَ بِهَا وَلا يُحَلُّ لَهُمْ وَثَاقٌ, حَرُّهَا شَدِيدٌ وَيَزِيدُ بإطباق الأطباق, واأسفا كَمْ يُهَدَّدُونَ وَكَمْ كَمْ إِحْدَاقٍ. هَذَا وَأَهْلُ الْجَنَّةِ قَدْ نَالُوا الرِّضَا بِالْوِفَاقِ, فَازُوا وَحَازُوا مَرَاتِبَ السِّبَاقِ, فَهُمْ فِي ضِيَاءِ نُورٍ كَامِلٍ وإشراق, ونعيم لا يحاط بوصفه مديد الرواق, وكؤوس مَمْلُوءَةٍ فَيَا حُسْنَ الدِّهَاقِ, كَانُوا يَشْتَاقُونَ إِلَى الْمَحْبُوبِ وَهُوَ إِلَيْهِمْ بِالأَشْوَاقِ, حَدَا لَهُمْ حَادِي الْعَزْمِ فَجَدَّتِ النِّيَاقُ, وَقَدْ أَعْلَمَنَا بِمَا يَجْرِي عَلَى الْفَرِيقَيْنِ يَوْمَ الافْتِرَاقِ {عَلَى مَنْ يَشَاءُ من عباده لينذر يوم التلاق} .
{يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (16) }
{يوم هم بارزون} أَيْ ظَاهِرُونَ مِنْ قُبُورِهِمْ {لا يَخْفَى عَلَى الله منهم شيء} فِيهِ ثَلاثَةُ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا: لا يَخْفَى عَلَيْهِ مِنْ أَعْمَالِهِمْ شَيْءٌ. قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ. وَالْمُرَادُ التَّهْدِيدُ بِالْجَزَاءِ وَإِنْ كَانَ لا يَخْفَى عَلَيْهِ الْيَوْمَ شَيْءٌ.
وَالثَّانِي: لا يَسْتَتِرُونَ مِنْهُ بِجَبَلٍ وَلا مَدَرٍ. قَالَهُ قَتَادَةُ.
وَالثَّالِثُ: أَنَّ الْمَعْنَى: أَبْرَزَهُمْ جَمِيعًا. حَكَاهُ الْمَاوَرْدِيُّ.