كما أن مخلوقاته العليا متفاوتة في العظم والشرف إلى أن تنتهي إلى العرش وهو أعلى المخلوقات كأنه قيل: إن الذي رفع السماوات ورفع العرش مَاذَا تُقَدِّرون رَفعه درجات عابديه على مراتب عبادتهم وإخلاصهم.
وجملة {يُلْقِي الرُّوح مِن أمْرِه} خبر ثالث ، أو بدلُ بعض من جملة {رَفِيعُ الدرجات} فإن مِنْ رفع الدرجات أَنْ يرفع بعض عِباده إلى درجة النبوءة وذلك أعظم رفع الدرجات بالنسبة إلى عِباده ، فبدل البعض هو هنا أهم أفراد المبدل منه.
والإِلقاء: حقيقته رميُ الشيء من اليد إلى الأرض ، ويستعار للاعطاء إذا كان غير مترقب ، وكثر هذا في القرآن ، قال: {فألقوا إليهم القول إنكم لكاذبون وألقوا إلى الله يومئذٍ السلم} [النحل: 86 ، 87] .
واستعير هنا للوحي لأنه يجيء فجأة على غير ترقب كإلقاء الشيء إلى الأرض.
والروح: الشريعة ، وحقيقة الروح: ما به حياة الحيّ من المخلوقات ، ويستعار للنفيس من الأمور وللوحْي لأنه به حياة الناس المعنوية وهي كمالهم وانتظام أمورهم ، فكما تستعار الحياة للإِيمان والعِلممِ ، كذلك يستعار الروح الذي هو سبب الحياة لكمال النفوس وسلامتها من الطوايا السيئة ، ويطلق الروح على المَلَك قال:
{فأرسلنا إليها روحَنا فتمثل لها بشراً سويا} [مريم: 17] .
و {مِنْ} ابتدائية في {مِن أمْرِهِ} ، أي بأمره ، فالأمر على ظاهره.
ويجوز أن تكون {من} تبعيضية ظرفاً مستقراً صفة {الروح} أي بَعْضَ شؤونه التي لا يطلع عليها غيره إلا من ارتضى فيكون الأمر بمعنى الشأن ، أي الشؤون العجيبة ، وقيل: {من} بيانية وأن الأمر هو الروح وهذا بعيد.