ويجوز أن يكون كناية عن رفعة شأنه وسلطانه عز شأنه وسلطانه كما أن قوله تعالى: {الودود ذُو العرش} كناية عن ملكه جل جلاله، ولا نظر في ذلك إلى أن له سبحانه عرشاً أو لا، فالكناية وإن لم تناف إرادة الحقيقة لكن لا تقتضي وجوب إرادتها فقد وقد؛ وعن ابن زيد أنه قال: أي عظيم الصفات وكأنه بيان لحاصل المعنى الكنائي، وقيل: هي درجات ثوابه التي ينزلها أولياءها تعالى يوم القيامة، وروى ذلك عن ابن عباس وابن سلام، وهذا أنسب بقوله تعالى: {فادعوا الله مُخْلِصِينَ} [غافر: 14] المعنى الأول أنسب بقوله تعالى: {يُلْقِى الروح مِنْ أَمْرِهِ} لتضمنه ذكر الملائكة عليهم السلام وهم المنزلون بالروح كما قال سبحانه: {يُنَزّلُ الملائكة بالروح مِنْ أَمْرِهِ} [النحل: 2] وأياً ما كان فرفيع الدرجات و {ذُو العرش} وجملة {يُلْقِى} أخبار ثلاثة قيل: لهو السابق في قوله تعالى: {هُوَ الذي يُرِيكُمُ} [الرعد: 13] الخ واستبعده أبو حيان بطول الفصل، وقيل: لهو محذوفاً، والجملة كالتعليل لتخصيص العبادة وإخلاص الدين له تعالى، وهي متضمنة بيان إنزال الرزق الروحاني بعد بيان إنزال الرزق الجسماني في {يُنَزّلٍ لَكُم مّنَ السماء رِزْقاً} [غافر: 13] فإن المراد بالروح على ما روي عن قتادة الوحي وعلى ما روي عن ابن عباس القرآن وذلك جار من القلوب مجرى الروح من الأجساد، وفسره الضحاك بجبريل عليه السلام وهو عليه والسلام حياة القلوب باعتبار ما ينزل به من العلم.
وجوز ابن عطية أن يراد به كمل ما ينعم الله تعالى به على عباده المهتدين في تفهيم الإيمان والمعقولات الشريفة وهو كما ترى، وقوله تعالى: {مِنْ أَمْرِهِ} قيل: بيان للروح، وفسر بما يتناول الأمر والنهي، وأوثر على لفظ الوحي للإشارة إلى أن اختصاص حياة القلوب بالوحي من جهتي التخلي والتحلي الحاصلين بالامتثال والانتهاء.