ولما وصفوا به على سبيل الثناء عليهم ، علم أن إيمانهم وإيمان من في الأرض وكل من غاب عن ذلك المقام سواء في أن إيمان الجميع بطريق النظر والاستدلال لا غير ، وأنه لا طريق إلى معرفته إلا هذا ، وأنه منزه عن صفات الإجرام.
وقد روعي التناسب في قوله: {ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا} ، كأنه قيل: ويؤمنون ويستغفرون لمن في مثل حالهم وصفتهم ، وفيه تنبيه على أن الإشتراك في الإيمان يجب أن يكون أدعى شيء إلى النصيحة ، وأبعثه على إمحاض الشفقة ، وإن تفاوتت الأجناس وتباعدت الأماكن ، فإنه لا تجانس بين ملك وإنسان ، ولا بين سماء وأرض قط ثم لما جاء جامع الإيمان ، جاء معه التجانس الكلي والتناسب الحقيقي ، حتى استغفر من حول العرش لمن فوق الأرض ، قال تعالى: {ويستغفرون لمن في الأرض} انتهى ، وهو كلام حسن.
إلا أن قوله: إن إيمان الجميع بطريق النظر والاستدلال لا غير فيه نظر ، وقوله: {ويستغفرون للذين آمنوا} تخصيص لعموم قوله: {ويستغفرون لمن في الأرض} .
وقال مطرف بن الشخير: وجدنا أصح العباد للعباد الملائكة ، وأغش العباد للعباد الشياطين ، وتلا هذه الآية. انتهى.
وينبغي أن يقال: أنصح العباد للعباد الأنبياء والملائكة.
{ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلماً} : أي يقولون: ربنا واحتمل هذا المحذوف بياناً ليستغفرون ، فيكون في محل رفع ، وأن يكون حالاً ، فيكون في موضع نصب.
وكثيراً ما جاء النداء بلفظ ربنا ورب ، وفيه استعطاف العبد لمولاه الذي رباه وقام بمصالحه من لدن نشأته إلى وقت ندائه ، فهو جدير بأن لا يناديه إلا بلفظ الرب.
وانتصب رحمة وعلماً على التمييز ، والأصل: وسعت رحمتك كل شيء ، وعلمك كل شيء ؛ وأسند الوسع إلى صاحبها مبالغة ، كأن ذاته هي الرحمة والعلم ، وقد وسع كل شيء.
وقدم الرحمة ، لأنهم بها يستمطرون أحسانه ويتوسلون بها إلى حصول مطلوبهم من سؤال المغفرة.