تجد السطحيين في الفهم عن الله يتهمون القرآن في هذه المسألة بالتعارض، كيف؟ يقولون: معنى (بلى) يعني آمنت والإيمان يقتضي اطمئنان القلب إلى العقيدة، فلماذا يقول بعدها:
{وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي ..} [البقرة: 260] ؟
ونقول له: أنت معذور، لأنك لم تفهم معنى السؤال، ولو فهمتَ معناه ما اتهمتَ القرآن، هل قال إبراهيم لربه: أتحيي الموتى أم قال
{رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي ..} [البقرة: 260] فهو إذن لم يسأل عن إمكانية الفعل ولم يشُكّ في قدرة الله، ولكنه يسأل عن الكيفية
{رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى ..} [البقرة: 260] إذن: فإحياء الموتى أمر سابق يسأل إبراهيم عن كيفيته، فلو قلت لك: كيف بنيتَ هذا البيت؟ فهذا يعني أن البيت قائم بالفعل.
إذن: فقوله (بَلَى) يعني: آمنت يا رب أنك تحيي الموتى، وطلب الاطمئنان بعد ذلك للكيفية والسؤال عن الكيفية أمر ضروري في مسألة الخَلْق وكيفية الإيجاد لأنها عملية لا تتأتى كلاماً، لأن فِعْل الله تعالى ليس علاجاً كفعل البشر.
فلو قلت لك: كيف بنيت هذا البيت؟ تقول: حفرتُ الأساس وأحضرتُ الحديد والأسمنت وفعلتُ كذا وكذا، فلان صمم، وفلان نفّذ، وفلان بنى، وفلان (غفق) .. إلخ فأعطيك كيفية الفعل بحيث تستطيع تطبيقها إنْ أردت ولا تجد فيها اختلافاً، لكن إنْ أردنا أنْ نُبين كيفية الإحياء، فكيف نبنيها؟
إنها مسألة لا تتأتى بالكلام، ولا بدّ من إجراء العملية بالفعل، وتأمل أن الله تعالى أراد أن يُجريها إبراهيم بنفسه، وألاَّ تجرى له إنما يمارسها بنفسه.
وفَرْقٌ بين أنْ تُعدِّى قدرتك لغيرك فتنفعل له، وأنْ تُعدِّى قدرتك لغيرك فتجعله يفعل بنفسه، فمثلاً قد تعجز عن حمل شيء فأحمله عنك وهذا أمر طبيعي، لكن العظمة في أن أجعلك تقدر أنت بنفسك عن حمله.
وهذا ما فعله الحق سبحانه مع نبيه إبراهيم عليه السلام:
{قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ..} [البقرة: 260] أي: ضُمهن إليك واعرف أوصافهن
{ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءًا ..} [البقرة: 260] يعني: اذبحهن وفرِّقْ أجزاءهن على الجبال
{ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً ..} [البقرة: 260] .