فهذه هي المسألة، وإذ قد عرفتها فالأمر فيما بين: أن الكلام"بما"و"إلا"قد يكونُ في معنى الكلامِ"بإنما"، ألا تَرى إلى وضوحِ الصورةِ في قولك:"ما ضرب زيدًا إلا عمرو"و"ما ضرب عمرو إلا زيداً"، أنه في الأولِ لبيانِ مَن الضارب، وفي الثاني لبيان منالمضروب، وإن كانا تكلُّفاً أن تَحْمِله على نفْي الشركةِ، فتريدُ"بما ضرَب زيداً إلاَّ عمرو"أَنه لم يضرِبْهُ اثنان، و"بما ضرَب عمرو إلاَّ زيداً"، أنه لم يَضْرِب اثنين.
ثم اعلمْ أنَّ السببَ في أنْ لم يكنْ تقديمُ المفعولِ في هذا كتأخيرِه، ولم يكنْ"ما ضَربَ زيداً إلاَّ عمرو"و"ما ضرَبَ عمرو إلا زيداً"، سواءٌ في المعنى أنَّ الاختصاصَ يَقعُ في واحدٍ من الفاعلِ والمفعولِ، ولا يقعُ فيهما جميعاً. ثم إنَّه يقعُ في الذي يكونُ بعد"إلاَّ"منهما دونَ الذي قبلَها، لاستحالةِ أن يحدُثَ معنى الحرفِ في الكلمة من قبْلَ أن يَجيء الحرفُ. وإذا كان الأمرُ كذلكَ، وجَبَ أن يَفْترقَ الحالُ بينَ أَن تقدم المعفول على"إلاَّ"فتقولَ:"ما ضرَب زيداً إلاَّ عمرو"، وبين أن تقدِّم الفاعلَ فتقولَ:"ما ضربَ عمرو إلاَّ زيداً"، لأنَّا إنْ زعَمْنا أنَّ الحالَ لا يَفترِقُ، جعَلْنا المتقدِّمَ كالمتأخِّرِ في جوازِ حدوثِه فيه. وذلك يقتضي المحالَ الذي هو أن يَحْدُثَ معنى"إلاَّ"في الاسمِ مِنْ قببل أن تجيء بها، فآعرفه.
403 -وإذا قد عَرفْتَ أنَّ الاختصاصَ مع"إلاَّ"يقعُ في ذلك تؤخِّرُهُ من الفاعل والمفعولِ، فكذلك يَقعُ مع"إنما"في المؤخَّر منهما دونَ المقدَّمِ. فإذا قلت:"إنما ضرَب زيداً عمرو"، كان الاختصاصُ في الضاربِ، وإذا قلتَ:"إنما ضربَ عمرو زيداً"، كان الاختصاصُ في المضروبِ، وكما لا يَجوزُ أنْ يستويَ الحالُ بينَ التقديم والتأخيرِ معَ"إلاَّ"، كذلكَ لا يجوزُ مع"إنما". انتهى انتهى {دلائل الإعجاز، للجرجاني} ...