إذا تبيَن هذا ؛ فقدْ عُلِمَ أن العلمَ مستلزِم للخشيةِ منْ هذه الوجوهِ كُلِّها.
لكن على الوجهِ الأولِ يستلزمُ الخشيةَ العلمُ باللَّهِ وجلالِهِ وعظمتِهِ ، وهو الذي فسرَ الآيةَ به جماعةٌ من السلفِ ، كما تقدَّم ، وعلى الوجوهِ الأُخرِ تكون الخشيةُ ملازمةٌ للعلم بأوامرِ اللهِ ونواهيهِ وأحكامِهِ وشرائعِهِ وأسرارِ دينه
وشرعِهِ وخلقِهِ وقَدَره ، ولا تَنافي بينَ هذا العلم والعلم باللَّهِ ؛ فإنَّهما قد
يجتمعانِ وقد ينفردُ أحدُهما عن الآخرِ ، وأكملُ الأحوال اجتماعُهما جميعًا
وهي حالةُ الأنبياءِ - عليهم السلامُ - وخواصُّ الصديقينَ ومتى اجتمعا كانتِ
الخشيةُ حاصلةٌ من تلكَ الوجوهِ كلها ، وإن انفردَ أحدُهما حصلَ من الخشيةِ
بحسبِ ما حصَّل من ذلك العلم ، والعلماءُ الكُمَّلُ أولو العلم في الحقيقةِ
الذين جمعُوا الأمرين.
وقد ذكر الحافظُ أبو أحمدَ بنُ عديٍّ: ثنا أحمدُ بنُ عبدِ اللَّهِ بنِ صالح بنِ
شيخ بنِ عميرةَ: ثنا إسحاقُ بن بهلول قال: قال لي إسحاقُ بنُ الطباع: قال
لي سفيانُ بن عيينةَ:"عالمٌ باللَّه عالِمٌ بالعلم ، عالمٌ باللَّه ليس بعالِمٍ بالعلم."
عالمٌ بالعلم ليس بعالم باللَّه"، قال: قلتُ لإسحاقَ: فهمنيه واشرحه لي ،"
قالَ: عالمٌ باللَّهِ عالمٌ بالعلم ، حمادُ بن سلمةَ ، عالمٌ باللَّه ليس بعالم بالعلم
مثل أبي الحجاج العابدِ ، عالمٌ بالعلم ليسَ بعالم باللَّه فلانٌ وفلانٌ وذكر
بعضَ الفقهاءِ.
وروى الثوريُّ عن أبي حيَّان التميمي سعيدِ بنِ حيَّانَ عن رجلٍ قالَ: كانَ
يُقال: العلماءُ ثلاثةٌ:"فعالمٌ باللَّه ليس عالمًا بأمرِ اللَّهِ ، وعالمٌ بأمرِ اللَّهِ ليس"
عالمًا باللَّهِ ، وعالمٌ باللَّه عالمٌ بأمرِ اللَّهِ"."
فالعالمُ باللَّهِ وبأوامر اللَّه: الذي يخشى اللَّهَ ويعلمُ الحدودَ والفرائضَ.