أي قد تيقَّنوا أنَّ صاحبَ السحرِ لا حظَّ له في الآخرةِ ، وإنما يختارُهُ لما يرجو من نفعِهِ في الدنيا ، وقدْ يسمُّون ذلك العقلَ المعيشي أي العقلَ الذي يعيشُ به الإنسانُ في الدنيا عيشةً طيبةً ، قال اللَّه تعالى:
(وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ)
أي: إن هذا الذي يعوضوا به عن ثوابِ الآخرةِ في الدنيا أمرٌ
مذمومٌ مُضِر لا ينفع لو كانوا يعلمونَ ذلك ثمَ قال:
(وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنوا وَاتَّقَوْا لَمَثوبَةٌ مِنْ عِندِ اللَّهِ خَيْر لَّوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ)
يعني: أنهم لو اختارُوا الإيمانَ والتقْوى بدلَ السِّحرِ لكانَ اللَّهُ يثيبُهم على ذلكَ ما هو خير لهم مما طلبُوه في الدنيا لو كانوا يعلمون ، فيحصُلُ لهم في الدنيا من ثوابِ الإيمانِ والتقْوى من الخير الذي هُو جلبُ المنفعةِ ودفعُ المضرَّةِ ما هو أعظمُ مما يُحَصِّلُونَهُ بالسِّحرِ من خيرِ الدنيا مع ما يُدَّخَرُ لهم من الثوابِ في الآخرةِ.
والمقصودُ هنا: أن كل من آثرَ معصيةَ اللَّهِ على طاعتِهِ ظانًّا أنه ينتفعُ بإيثارِ
المعصيةِ في الدنيا ، فهُوَ من جنسِ من آثرَ السحرَ - الذي ظنَّ أنه ينفعُه في
الدنيا - على التقوى والإيمان ، ولو اتَّقى وآمنَ لكانَ خيرًا له وأرجى لحصولِ
مقاصدِهِ ومطالبِهِ ودفع مضارِّه ومكروهاتِهِ ، ويشهدُ كذلك
أيضًا ما في"مسندِ البزارِ"
عن حذيفةَ قال:"قامَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - فدعا الناسَ فقال: هلمُّوا إليَّ ، فأقبلوا إليه فجلسُوا ، فقال:"هذا رسولُ ربِّ العالمين جبريلُ - عليه السلامُ. - نفثَ في رُوعي: أنَّه لا تموتُ نفسٌ حتى تستكملَ رزقَها وإن أبْطأَ عليها ، فاتقوا اللَّهَ وأجمِلُوا في الطلبِ ولا يحملنَّكُم استبطاءُ الرّزْقِ أنْ تأخذُوه بمعصيةِ اللَهِ ، فإنَّ اللهَ لا يُنالُ ما عندَه إلا بطاعَتِهِ"."