الثوابَ ، وهذا حكاه الماورديُّ وغيرُهُ ، وهو ضعيف أيضًا ، فإنَّ الضميرَ إن عادَ إلى اليهودِ ، فاليهودُ لا يخفى عليهم تحريمُ السحرِ واستحقاقِ صاحبِه العقوبةَ ، وإن عادَ إلى الذين يتعلمونَ من الملكينِ فالملكانِ يقولانِ لهم: (إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ) والكفرُ لا يخْفَى على أحدٍ أن صاحبَه يستحقُّ العقوبةَ ، وإن عادَ إليهما ، وهو الظاهرُ ، فواضح ، وأيضًا فإذا علموا أنَّ من اشتراهُ ما لهُ في الآخرةِ من خلاقٍ فقدْ علمُوا أنه يستحقُّ العقوبةَ ، لأنَّ الخلاقَ: النصيبُ من الخيرِ ، فإذا عَلِمَ أنه ليس له نصيب في الخيرِ بالكليةِ فقدْ علم أن له نصيبًا من الشرِّ ، لأنَّ أهلَ التكليفِ في الآخرةِ لا يخلو واحد منهم عن أن يحصلَ له خير أو شرّ لا يمكنُ انتكاله عنهما جميعًا ألبتة.
وقالتْ طائفة: علموا أنَّ من اشتراه فلا خلاقَ له في الآخرةِ ، لكنهم ظنُّوا
أنهم ينتفعونَ به في الدنيا ، ولهذا اختاروه وتعوَّضُوا به عن بوارِ الآخرةِ
وشرَوا به أنفسَهُم ، وجهلُوا أنه في الدنيا يضرُّهم أيضًا ولا ينفعُهم ،
فبئسَ ما شروا به أنفسَهُم لو كانوا يعلمون ذلك ، وأنَّهم إنما باعُوا أنفسَهم وحظَّهم من الآخرةِ بما يضرُّهم في الدنيا أيضًا ولا ينفعهم ، وهذا القولُ حكاه الماورديّ وغيرُهُ ، وهو الصحيحُ ، فإنَّ اللَّه تعالى قال:
(وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضرّهُمْ ولا يَنفَعُهُمْ)
أي هو في نفس الأمرِ يضرُّهم ولا ينفعُهم بحالٍ في الدنيا وفي الآخرةِ.
ولكنَّهم لم يعلموا ذلك لأنهم لم يُقدِمُوا عليه إلا لظنَّهم أنه ينفعُهم في
الدنيا.
ثمَ قال: (وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ)