الفرع الثاني: اعلم أن أهل العلم اختلفوا في رقبة كفارة الظهار ، هل يشترط فيها سلامتها من العيوب أولاً. فحكي عن داود الظاهري أنه جوز كل رقبة يقع عليها الاسم ولو كانت معيبة بكل العيوب ، تمسكاً بإطلاق الرقبة في قوله تعالى: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} [المجادلة: 3] ، قال: ظاهره ولو معيبة ، لأن الله لم يقيد الرقبة بشيء.
وذهب أكثر أهل العلم إلى اشتراط السلامة من العيوب القوية مع اختلافهم في بعض العيوب. قالوا: يشترط سالمتها من العيوب المضرة بالعمل ضرراً بيناً ، لأن المقصود تمليك العبد منافعه ، وتمكينه من التصرف لنفسه ، ولا يحصل هذا مع ما يضر بالعمل ضرراً بيناً ، فلا يجزئ الأعمى ، لأنه لا يمكنه العلم في أكثر الصنائع ، ولا المقعد ، ولا المقطوع اليدين أو الرجلين ، لأن اليدين آلة البطش فلا يمكنه العمل مع فقدهما والرجلان آلة المشي ، فلا يتهيأ له كثير من العمل مع تلفهما ، والشلل كالقطع في هذا.
قالوا: ولا يجوز المجنون جنوناً مطبقاً ، لأنه وجد فيه المعنيان: ذهاب منفعة الجنس ، وحصول الضرر بالعمل. قاله في المغني ، ثم قال: وبهذا كله قال الشافعي ومالك ، وأبو ثور وأصحاب الرأي. انتهى محل الغرض منه.
وبه علم إجماع الأئمة الأربعة على اشتراط السلام من مثل العيوب المذكورة.
وقال ابن قدامة في المغني: ولا يجزئ مقطوع اليد أو الرجل ، ولا أشلهما ولا مقطوع إبهام اليد أو سبابتها أو الوسطى ، لأن نفع اليد يذهب بذهاب هؤلاء ، ولا يجزئ مقطوع الخنصر والبنصر ، من يد واحدة ، لأن نفع اليدين يزول أكثره بذلك.