اعلم أولاً: أن ما رجحه ابنحزم من قول داود الظاهري ، وحكاه ابن عبد البَرَّ عن بكير بن الأشج ، والفراء ، وفرقة من أهل الكلام وقال به شعبة: من أن معنى {من أن معنى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا} هو عودهم إلى لفظ الظهار ، فيكررونه مرة أخرى قول باطل ، بدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يستفصل المرأة التي نزلت فيها آية الظهار ، هل كرر زوجها صيغة الظهار أو لا ، وترك الاستفصال ينزل منزلة العموم في الأقوال كما تقدم مراراً.
والتحقيق أن الكفارة ومنع الجماع قبلها ، لا يشترط فيهما تكرير صيغة الظهار ، وما زعمه بعضهم أيضاً من أن الكلام فيه تقديم وتأخير ، وتقديره: {والذين يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَآسَّا} سالمين من الإثم بسبب الكفارة غير صحيح أيضاً لما تقرر في الأصول من وجوب الحمل على بقاء الترتيب ، إلا لدليل. وإليه الإشارة بقول صاحب مراقي السعود:
كذاك تريب لإيجاب العمل بما له الرجحان مما يحتمل
وسنذكر إن شاء الله الجواب عن هذا الإشكال على مذاهب الأئمة الأربعة رضي الله عنهم وأرضاهم.
فنقول وبالله تعالى نستعين: معنى العود عند مالك فيه قولان ، تؤولت المدونة على كل واحد منهما وكلاهما مرجح.
الأول: أنه العزم على الجماع فقط.
الثاني: أنه العزم على الجماع وإمساك الزوجة معاً ، وعلى كلا القولين فلا إشكال في الآية.
لأن المعنى حينئذ: والذين يظاهرون من نسائهم ، ثم يعزمون على الجماع أو عليه مع الإمساك ، فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا فلا منافاة بين العزم على الجماع ، أو عليه مع الإمساك ، وبين الإعتاق قبل المسيس.