فقد كان فيهم من يصلح على خشن العيش، كأحمد بن حنبل.
وكان فيهم، من يستعمل رقيق العيش، كسفيان الثوري، مع ورعه، ومالك مع تدينه، والشافعي مع قوة فقهه.
ولا ينبغي أن يطالب الإنسان بما يقوى عليه غيره، فيضعف هو عنه.
فإن الإنسان أعرف بصلاح نفسه.
وقد قالت رابعة: إن كان صلاح قلبك في الفالوذج فكله.
ولا تكونن أيها السامع ممن يرى صور الزهد.
فرب متنعم لا يريد التنعم، وإنما يقصد المصلحة.
وليس كل بدن يقوى على الخشونة، خصوصاً من قد لاقى الكد وأجهده الفكر، أو أمضه الفقر، فإنه إن لم يرفق بنفسه، ترك واجباً عليه من الرفق بها.
فهذه جملة لو شرحتها بذكر الأخبار والمنقولات لطالت، غير أني سطرتها على عجل حين جالت في خاطري، والله ولي النفع برحمته.
(فصل ادخر المال واستغن عن الناس)
حضرنا بعض أغذية أرباب الأموال، فرأيت العلماء أذل الناس عندهم.
فالعلماء يتواضعون لهم ويذلون لموضع طمعهم فيهم، وهم لا يحفلون بهم لما يعلمونه من احتياجهم إليهم.
فرأيت هذا عيباً في الفريقين.
أما في أهل الدنيا فوجه العتب أنهم كانوا ينبغي لهم تعظيم العلم، ولكن لجهلهم بقدره فاتهم وآثروا عليه كسب الأموال.
فلا ينبغي أن يطلب منهم تعظيم ما لا يعرفون ولا يعلمون قدره.
وإنما أعود باللوم على العلماء وأقول: ينبغي لكم أن تصونوا أنفسكم التي شرفت بالعلم عن الذل للأنذال.
وإن كنتم في غنى عنهم كان الذل لهم والطلب منهم حراماً عليكم.
وإن كنتم في كفاف فلم لم تؤثروا التنزه عن الذل بالعفة عن الحطام الفاني الحاصل بالذلة.
إلا أنه يتخيل لي من هذا الأمر، أني علمت قلة صبر النفس على الكفاف والعزوف عن الفضول، فإن وجد ذلك منها في وقت لم يوجد على الدوام.
فالأولى للعالم أن يجتهد في طلب الغنى، ويبالغ في الكسب، وإن ضاع بذلك عليه كثير من زمان طلب العلم؛ فإنه يصون بعرضه عرضه.
وقد كان سعيد بن المسيب يتجر في الزيت وخلف مالاً.
وخلف سفيان الثوري مالاً وقال لولاك لتمندلوا بي.
وقد سبق في كتابي هذا في بعض الفصول شرف المال، ومن كان من الصحابة والعلماء يقتنيه، والسر في فعلهم ذلك، وحتى طالبي العلم على ذلك ما بينته من أن النفس لا تثبت على التعفف، ولا تصبر على دوام التزهد.
وكم قد رأينا من شخص قويت عزيمته على طلب الآخرة فأخرج ما في يده، ثم ضعفت فعاد يكتسب من أقبح وجه.