ولا يهولنك ما تسمعه من الأحاديث، التي تحث على الجوع، فإن المراد بها إما الحث على الصوم، وإما النهي عن مقاومة الشبع.
فأما تنقيص المطعم على الدوام، فمؤثر في القوى، فلا يجوز.
ثم في هؤلاء المذمومين من يرى هجر اللحم، والنبي صلى الله عليه وسلم كان يود أن يأكله كل يوم.
واسمع مني بلا محاباة.
لا تحتجن علي بأسماء الرجال، فتقول: قال بشر، وقال إبراهيم بن أدهم، فإن من احتج بالرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه - رضوان الله عليهم - أقوى أن لأفعال أولئك وجوهاً نحملها عليهم بحسن الظن.
ولقد ذاكرت بعض مشايخنا ما يروى عن جماعة من السادات، أنهم دفنوا كتبهم، فقلت له: ما وجه هذا؟.
فقال: أحسن ما نقول أن نسكت، يشير إلى أن هذا جهل من فاعله.
وتأولت أنا لهم: فقلت: ما دفنوا من كتبهم، فيه شيء من الرأي، فما رأوا أن يعمل الناس به.
ولقد روينا في الحديث، عن أحمد بن أبي الحواري: أنه أخذ كتبه فرمى بها في البحر: وقال، نعم الدليل كنت! ولا حاجة لنا إلى الدليل، بعد الوصول إلى المدلول؟.
وهذا - إذا أحسنا به الظن - قلنا: كان فيها من كلامهم ما لا يرتضيه.
فأما إذا كانت علوماً صحيحة، كان هذا من أفحش الإضاعة، وأنا وإن تأولت لهم هذا، فهو تأويل صحيح في حق العلماء منهم، لأنا قد روينا عن سفيان الثوري: أنه قد أوصى بدفن كتبه، وكان ندم على أشياء كتبها، عن قوم، وقال: حملني شهوة الحديث - وهذا لأنه كان يكتب عن الضعفاء والمتروكين، فكأنه لما عسر عليه التمييز أوصى بدفن الكل.
وكذلك من كان له رأي من كلامه ثم رجع عنه، جاز أن يدفن الكتب التي فيها ذلك، فهذا وجه التأويل للعلماء.
فأما المتزهدون، الذين رأوا صورة فعل العلماء، ودفنوا كتباً صالحة لئلا تشغلهم عن التعبد، فإنه جهل منهم.
لأنهم شرعوا في إطفاء مصباح يضيء لهم، مع الإقدام على تضييع مال لا يحل تضييعه.
ومن جملة من عمل بواقعة دفن كتب العلم، يوسف بن أسباط، ثم لم يصبر عن التحديث فخلط، فعد في الضعفاء.
أنبأنا عبد الوهاب بن المبارك، قال: أخبرنا محمد بن المظفر الشامي، قال: أخبرنا أحمد بن محمد العتيقي، قال: حدثنا يوسف بن أحمد، قال: حدثنا محمد بن عمرو العقيلي، قال: حدثنا محمد بن عيسى، قال: أخبرنا أحمد بن خالد الخلال. قال: سمعت شعيب بن حرب يقول: قلت ليوسف بن أسباط: كيف صنعت بكتبك؟ قال: جئت إلى الجزيرة، فلما نضب الماء دفنتها حتى جاء الماء عليها، فذهبت.