وكم قد زوق قاص مجلسه بذكر أقوام خرجوا إلى السياحة بلا زاد ولا ماء، وهو لا يعلم أن هذا من أقبح الأفعال، وأن الله تعالى لا يجرب عليه.
فربما سمعه جاهل من التائبين فخرج فمات في الطريق، فصار للقائل نصيب من إثمه.
وكم يروون عن ذي النون: أنه لقي امرأة في السياحة فكلمها وكلمته، وينسون الأحاديث الصحاح: لا يحل لامرأة أن تسافر يوماً وليلة إلا بمحرم.
وكم ينقلون: أن أقواماً مشوا على الماء، قد قال إبراهيم الحربي: لا يصح أن أحداً مشى على الماء قط.
فإذا سمعوا هذا قالوا: أتنكرون كرامات الأولياء الصالحين؟.
فنقول: لسنا من المنكرين لها، بل نتبع ما صح، والصالحون هم الذين يتبعون الشرع، ولا يتعبدون بآرائهم.
وفي الحديث: إن بني إسرائيل شددوا، فشدد الله عليهم.
وكم يحثون على الفقر حتى حملوا خلقاً على إخراج أموالهم، ثم آل بهم الأمر إما إلى التسخط عند الحاجة، وإما إلى التعرض بسؤال الناس.
وكم تأذى مسلم بأمرهم الناس بالتقلل! وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ثلث طعام، وثلث شراب، وثلث نفس، فما قنعوا حتى أمروا بالمبالغة في التقلل.
فحكى أبو طالب المكي في"قوت القلوب": أن فيهم من كان يزن قوته بكربة رطبة، ففي كل ليلة يذهب من رطوبتها قليل، وكنت أنا ممن اقتدى بقوله في الصبا، فضاق المعي وأوجب ذلك، مرض سنين.
أفترى هذا شيئاً تقتضيه الحكمة، أو ندب إليه الشرع؟.
وإنما مطية الآدمي قواه، فإذا سعى في تقليلها، ضعف عن العبادة.
ولا تقولن: الحصول على الحلال المحض مستحيل، لذلك وجب الزهد تجنباً للشبهات، فإن المؤمن حسبه أن يتحرى في كسبه هو الحلال ولا عليه من الأصول التي نبتت من هذه الأموال.
فإنا لو دخلنا ديار الروم، فوجدنا أثمان الخمور وأجرة الفجور، كان لنا حلالاً بوصف الغنيمة.
أفتريد حلالاً، على معنى أن الحبة من الذهب لم تنتقل - مذ خرجت من المعدن، على وجه لا يجوز.
فهذا شيء لم ينظر فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم.
أوليس قد سمعت أن الصدقة عليه حرام، فلما تصدق على بريرة بلحم فأهدته، جاز له أكل تلك العين لتغير الوصف.
وقد قال أحمد بن حنبل: أكره التقلل من الطعام، فإن أقواماً فعلوه فعجزوا عن الفرائض.
وهذا صحيح، فإن المتقلل لا يزال يتقلل، إلى أن يعجز عن النوافل ثم الفرائض ثم يعجز عن مباشرة أهله وإعفافهم، وعن بذل القوى في الكسب لهم، وعن فعل خير قد كان يفعله.