{يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ} صفة أخرى له، عليها يدور أمر التبكيت والإلزام، قصد انتفاء الموصوف بانتفاء الصفة؛ أي: أيُّ معبود غير الله سبحانه يأتيكم بضياء النهار، فتستضيئون به، ولم يقل هل إله، فذكر بمن لإيراد الإلزام على زعمهم أن غيره آلهة، وفي هذا الأسلوب من التقريع والتبكيت والإلزام ما لا يخفى، وأتى بضياء، وهو نور الشمس، ولم يجئ التركيب بنهار تتصرفون فيه، كما جاء بليل تسكنون فيه؛ لأن منافع الضياء متكاثرة، ليس التصرف في المعاش وحده، والظلام ليس بتلك المنزلة، ومن ثم قرن بالضياء {أَفَلَا تَسْمَعُونَ} ؛ لأن السمع يدرك ما لا يدركه البصر من ذكر منافعه ووصف فوائده.
بيَّن لهم سبحانه أنه مهد لهم أسباب المعيشة، ليقوموا بشكر النعمة، فإنه لو كان الدهر الذي يعيشون فيه ليلًا دائمًا إلى يوم القيامة لم يتمكنوا فيه من الحركة فيه، وطلب ما لا بد لهم منه مما يقوم به العيش من المطاعم والمشارب والملابس، ثم امتن عليهم فقال: {مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ} ؛ أي: هل لكم إله من الآلهة التي تعبدونها يقدر على أن يرفع هذه الظلمة الدائمة عنكم بضياء؛ أي: بنور تطلبون فيه المعيشة، وتبصرون فيه ما تحتاجون إليه، وتصلح به ثماركم وتزهو عنده زرائعكم، وتعيش فيه دوابكم، وعن ابن كثير: {بضئاء} بهمزتين.
{أَفَلَا تَسْمَعُونَ} ما يقال لكم سماع تدبر وتفكر، فتتعظوا وتعلموا أن ربكم هو الذي يأتي بالليل، ويزيل النهار إذا شاء، وإذا أراد أتى بالنهار وأذهب الليل، ولا يقدر على ذلك سواه تعالى، والهمزة فيه للاستفهام التوبيخي المضمَّن للإنكار داخلة على محذوف، والفاء عاطفة على ذلك المحذوف؛ أي: ألا تتفكرون فتسمعون ما يقال لكم.
وختم هذه الآية به بناء على الليل لا على الضياء. وقال بعضهم قرن بالضياء السمع، لأن السمع يدرك ما لا يدركه البصر، يعني استفادة العقل من السمع أكثر من استفادته من البصر.