وهذا نظير قوله تعالى: {قُلْ انْظرُوا مَاذَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ، وَمَا تُغْنِي الآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ} [يونس: 101] ، فقوله تعالى: {وَمَا تُغْنِي الآيَاتُ) ليس معطوفاً على القول وهو (انظروا) بل معطوف على الجملة الكبرى، على أن عطف الخبر على الطلب كثير كقوله تعالى: قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ} [الأنبياء: 112]
وقوله تعالى: {وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ} [المؤمنون: 118]
والمقصود أنه على هذا القول يكون الله سبحانه وتعالى قد سلم على المصطفين من عباده، والرسل أفضلهم، وقد أخبر سبحانه وتعالى أنه أخلصهم: {بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لِمِنَ المُصْطَفَيْنَ الأَخْيَارِ} [ص: 46 - 47]
ويكفي في فضلهم وشرفهم أن الله سبحانه وتعالى اختصهم بوحيه، وجعلهم أمناءَ على رسالته وواسطة بينه وبين عباده، وخصهم بأنواع كراماته: فمنهم من اتخذه خليلاً، ومنهم من كلمه تكليماً، ومنهم من رفعه مكاناً علياً على سائرهم درجات، ولم يجعل لعباده وصولاً إليه إلا من طريقهم، ولا دخول إلى جنته إلا خلفهم، ولم يكرم أحداً منهم بكرامة إلا على أيديهم، فهم أقرب الخلق إليه وسيلة، وأرفعهم عنده درجة، وأحبهم إليه وأكرمهم عليه.
وبالجملة فخير الدنيا والآخرة إنما ناله العباد على أيديهم، وبهم عرف الله، وبهم عبد وأُطيع، وبهم حصلت محابه الله تعالى في الأرض.
[فَصْلٌ]
قَوْلُهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ النَّمْلِ {قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ - أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ}
إِلَى آخِرِ الْآيَاتِ.
يَحْتَجُّ عَلَيْهِمْ بِأَنَّ مَنْ فَعَلَ لَهُمْ هَذَا وَحْدَهُ فَهُوَ الْإِلَهُ لَهُمْ وَحْدَهُ، فَإِنْ كَانَ مَعَهُ رَبٌّ فَعَلَ هَذَا فَيَنْبَغِي أَنْ تَعْبُدُوهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ رَبٌّ فَعَلَ هَذَا فَكَيْفَ تَجْعَلُونَ مَعَهُ إِلَهًا آخَرَ؟