وعلى هذه الطريقة من القياس الفاسد من أساسه صنعت هذه المغالطة الجدلية، والتورط في هذه المغالطة راجع إلى علة نفسية، غفلة منا وانصياعًا للتصور الغالب، شأن رجل يشتغل عمره بكيمياء النحاس، فعرض له الذهب فجأة، فراح يطبق عليه قوانين النحاس، أفتراه يصيب، أم يخطئ؟ لا جرم أن خطأه نشأ من انهماكه الدائم في قانون معين، وغفلته عن التفريق بين القوانين حينما اختلفت مجالات التطبيق، ولقد عرفنا أن خالق الحوادث لا يتصف بالحدوث قطعًا، فكيف نطبق عليه قانون الحوادث؟!
ذكروا: (أن رجلاً جاء إلى عالم من علماء الأمة فقال: إذا أقررنا بالخالق فمن ذا خلقه؟ قال: عُدَّ من الواحد صعودًا، ففعل الرجل، قال: عُدَّ قبل الواحد، قال: ليس قبل الواحد شيء. قال: كذلك ليس قبل الواحد شيء!) .
والخلاصة: إن الخالق ليس بحادث، فنطبق عليه قانون الحوادث في السؤال عن خالقه، فذلك غير سائغ، وأنه كامل مطلق، والكامل المطلق لا يحتاج إلى غيره، وبذلك ينهدم آخر صرح من صروح الشك، فنقول: الكامل المطلق لا يمكن أن يفتقر إلى الموجد.
وأما أزلية الخالق، وعدم احتياج وجوده إلى علة، فبرهان ذلك يمكن إيجازه بما يلي:
إن العدم العام الشامل لكل شيء يمكن تصوره في الفكر، لا يصح في منطق العقل أن يكون هو الأصل؛ لأنه لو كان هو الأصل لاستحال أن يوجد شيء مَّا.
إذن: فلا بد أن يكون وجود موجِد مَّا هو الأصل، ومن كان وجوده هو الأصل فإن وجوده لا يحتاج عقلاً لأية علة، بل وجوده واجب عقلاً، ولا يصح في العقل تصور عدمه، وأي تساؤل عن علة لوجوده لا يكون إلا على أساس اعتبار أن أصله العدم ثم وجد، وهذا يتناقض مع الإقرار باستحالة أن يكون العدم العامل الشامل هو الأصل الكلي.
ومن كان وجوده واجبًا بالحتمية العقلية باعتبار أنه هو الأصل، فإنه لا يمكن بحال من الأحوال أن يتصف بصفات تستلزم أن يكون حادثًا.