فلما أحست منهم الميل إلى المحاربة مالت إلى المصالحة ورتبت الجواب فزيفت أولاً ما ذكروه وأرتهم الخطأ فيه حيث {قالت إنّ الملوك إذا دخلوا قريةً} عنوة وقهراً {أفسدوها} خربوها {وجعلوا أعزّة أهلها أذلّةً} أذلوا أعزتها وأهانوا أشرافها وقتلوا وأسروا فذكرت لهم سوء عاقبة الحرب ثم قالت {وكذلك يفعلون} أرادت وهذه عادتهم المستمرة التي لا تتغير لأنها كانت في بيت الملك القديم فسمعت نحو ذلك ورأت.
ثم ذكرت بعد ذلك حديث الهدية وما رأت من الرأي السديد.
وقيل: هو تصديق من الله لقولها ، واحتج الساعي في الأرض بالفساد بهذه الآية.
ومن استباح حراماً فقد كفر ، وإذا احتج له بالقرآن على وجه التحريف فقد جمع بين كفرين
{وإنّي مرسلةٌ إليهم بهديّةٍ} أي مرسلة رسلاً بهدية.
{فناظرةٌ} فمنتظرة {بم} أي ب"ما"لأن الألف تحذف مع حرف الجر في الاستفهام {يرجع المرسلون} بقبولها أم بردها لأنها عرفت عادة الملوك وحسن مواقع الهدايا عندهم ، فإن كان ملكاً قبلها وانصرف ، وإن كان نبياً ردها ولم يرض منا إلا أن نتبعه على دينه.
فبعثت خمسمائة غلام عليهم ثياب الجواري وحليهن راكبي خيل مغشاة بالديباج محلاة اللجم والسروج بالذهب المرصع بالجواهر ، وخمسمائة جارية على رماك في زي الغلمان ، وألف لبنة من ذهب وفضة وتاجاً مكللاً بالدر والياقوت وحقاً فيه درة عذراء وجزعة معوجة الثقب ، وبعثت رسلاً وأمرت عليهم المنذر بن عمرو بدليل قوله تعالى ؛ {بم يرجع المرسلون} .
وكتبت كتاباً فيه نسخة الهدايا وقالت فيه: إن كنت نبياً فميز بين الوصفاء والوصائف وأخبر بما في الحق واثقب الدرة ثقباً واسلك في الخرزة خيطاً.
ثم قالت للمنذر: إن نظر إليك نظر غضبان فهو ملك فلا يهولنك منظره ، وإن رأيته بشاشاً لطيفاً فهو نبي.