وروى محمد بن إسحاق عن بعض أهل العلم عن وهب بن منبّه قال: إنّما بنى الصرح ليختبر عقلها وفهمها ، يعاينها بذلك كما فعلت هي من توجيهها إليه الوصفاء والوصائف ليمّيز بين الذكور والإناث ، تعاينه بذلك ، فلمّا جاءت بلقيس قيل لها: ادخلي الصرح {فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً} وهي معظم الماء وقال ابن جريج: يعني بحراً.
{وَكَشَفَتْ عَن سَاقَيْهَا} لتخوضه إلى سليمان عليه السلام ، فنظر سليمان فإذا هي أحسن الناس ساقاً وقدماً إلاّ أنّها كانت شعْراء الساقين ، فلمّا رأى سليمان ذلك صرف بصره عنها وناداها {إِنَّهُ صَرْحٌ مُّمَرَّدٌ} مملّس مستو {مِّن قَوارِيرَ} وليس ببحر ، فلمّا جلست قالت: يا سليمان إنّي أُريد أن أسألك عن شيء .
قال: سلي.
قالت: أخبرني عن ما ماء رُواء ولا من أرض ولا من سماء . وكان سليمان إذا جاءه شيء لا يعلمه سأل الإنس عنه ، فإن كان عندهم علم ذلك وإلاّ سأل الجن ، فإن علموا وإلاّ سأل الشياطين ، فسأل الشياطين عن ذلك فقالوا له: ما أهون هذا من الخيل فلْتجرِ ثم املأ الآنية من عَرَقها.
فقال لها سليمان: عرق الخيل ، قالت: صدقت ، ثم قالت: أخبرني عن لون الربّ ، فوثب سليمان عليه السلام عن سريره وخرَّ ساجداً وصعق عليه فقامت عنه وتفرّقت جنودُه وجاءهُ الرسول فقال: يا سليمان يقول لك ربك: ما شأنك؟
قال: يا رب أنت أعلم بما قالت ، قال: فإن الله يأمرك أن تعود ألى سريرك وترسل إليها وإلى مَن حضرها من جنودك وجنودها فتسألها وتسألهم عمّا سألتك عنه ، ففعل ذلك سليمان (عليه السلام) ، فلمّا دخلوا عليه قال لها: عمّاذا سألتِني؟
قالت: سألتك عن ماء رواء ليس من أرض ولا سماء فأجبتَ.
قال: وعن أيّ شيء سألتِني أيضاً؟