أحدهما: إن إرث العلم مجاز، والأصل في الإطلاق الحقيقة.
الثاني: أن سليمان كان قد أوتي من العلم أكثر من علم داود، بدليل قوله - عز وجل - {فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ وَكُلاًّ آتَيْنا حُكْماً وَعِلْماً وَسَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الْجِبالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنّا فاعِلِينَ} (79) [الأنبياء: 79] وكان سليمان يستدرك على داود قضاياه، كما في قصة المرأتين اللتين أخذ الذئب ابن إحداهما وغيرها، فلم يكن له حاجة إلى إرث علم داود.
وأما قوله - عز وجل: {وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ وَسُلَيْمانَ عِلْماً وَقالا الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي فَضَّلَنا عَلى كَثِيرٍ مِنْ عِبادِهِ الْمُؤْمِنِينَ} (15) [النمل: 15] فحجة لنا؛ لأنه يقتضي
استغناء سليمان عن علم داود لكونه أوتي من العلم مثله. وقوله: {وَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ وَقالَ يا أَيُّهَا النّاسُ عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ} (16) [النمل: 16] إما خاص بسليمان؛ فيؤكد ما قلناه، أو عام فيه وفي داود، وهو لا يقتضي أنه ورثه.
وعن الثاني: بأنا لا نسلم أنه ورثه العلم، وإنما ورثه عندنا الملك الذي أوتيه وبه تأدية وظيفة اللفظ.
قالوا: ومما يقدح في الحديث أن أهل السير اتفقوا على أن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط كانوا مياسير ذوي ثروة. من إبل وغنم وكراع وأثاث، ثم إن بعضهم ورث بعضا، ولم ينقل قط أن أحدا منهم قال: تصدقوا بتركتي؛ فإني لا أورث، ولو كان ذلك مشهورا لكان متواترا عن الأنبياء كمعجزاتهم.
وقصد الشيعة [لعنهم الله] بذلك تظليم الشيخين بمنع فاطمة إرثها من أبيها، والعباس [إرثه من] ابن أخيه صلّى الله عليه وسلّم اعتمادا على حديث هو على خلاف نص أو ظاهر القرآن. وبين الطائفتين فيه بحث طويل قد سبق نبذة جيدة منه في أول سورة مريم.