{إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نَارًا سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (7) }
فإن قلت: قال في سورة طه: {لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ} وفي القصص: {لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ} ب صيغة الترجي في السورتين، وقال هنا: {سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَر} بصيغة الإخبار والتيقن، فبين الإخبار والترجي تناقض، فكيف يجمع بينهما؟
قلتُ: لا تناقض بينهما؛ لأن الراجي إذا قوي رجاؤه يقول: سأفعل كذا بصيغة الأخبار وإن كانت الخيبة يمكن أن تقع.
وعبارة شيخ الإِسلام: كيف قال هنا ذلك، وفي طه: {نَارًا لَعَلِّي} ، وأحدهما قطع وجزم، والآخر ترجّ، والقضية واحدة؟
قلتُ: قد يقول الراجي إذا قوي رجاؤه: سأفعل كذا، وسيكون كذا مع تجويزه عدم الجزم.
{وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَامُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ (10) }
فإن قلت: لم قال هنا: و {ألق} بدون ذكر (أن) وفي القصص بذكرها؟
قلتُ: لأن ما هنا تقدمه فعل بعد {أَنْ} ، وهو {بُورِكَ} فحسن عطف الفعل عليه، وما هناك لم يتقدمه فعل بعد {أَنْ} ، فذكرت {أَنْ} ؛ لتكون جملة {وَأَنْ أَلْقِ} معطوفة على جملة {يَا مُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ} .
{يَامُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ (10) إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (11) }
قال شيخ الإِسلام زكريا: قوله تعالى: {يَامُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ}
فإن قلت: قال ذلك هنا، وقال في سورة القصص: {يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ} بزيادة {أَقْبِلْ} ، فلم خالف بين الموضعين؟
قلتُ: لأن ما هنا بني عليه كلام يناسبه، وهو {إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ} فناسبه الحذف، وما هناك لم يبن عليه شيء فناسبه زيادة {أَقْبِلْ} جبرًا له، وليكون في مقابلة مدبرًا؛ أي: أقبل آمنًا غير مدبر ولا تخف.
وقال أيضًا: قوله تعالى: {إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ (10) إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ...} الآية، إن قلت: كيف وجه صحة الاستثناء فيه مع أن الأنبياء معصومون من المعاصي؟