قلتُ: الاستثناء منقطع؛ أي: لكن من ظلم من غير الأنبياء فإنه يخاف، فإن تاب وبدل حسنًا بعد سوء فإني غفور رحيم، أو متصل يحمل الظلم على ما يصدر من الأنبياء من ترك الأفضل، أو {إِلَّا} بمعنى: ولا، كما في قوله تعالى: {لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا} وإنما خص المرسلين بالذكر؛ لأن الكلام في قصة موسى وكان من المرسلين، وإلا فسائر الأنبياء كذلك وإن لم يكن بعضهم رسلًا.
{وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (12) }
فإن قلت: لِمَ ثم أتى هنا بلفظ {أَدْخِلْ} ، وفي القصص بلفظ {اسْلُكْ} هو فلم خالف بين الموضعين؟
قلتُ: أتى هنا بلفظ {أَدْخِلْ} وهناك بلفظ {اسْلُكْ} ؛ لأن الإدخال أبلغ من السلوك؛ لأن ماضيه أكثر حروفًا من ماضي السلوك، فناسب {أَدْخِلْ} كثرة الآيات في قوله: {تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آيَاتٍ} ؛ أي: معها مرسلًا إلى فرعون، وناسب {اسلك} قلتها، وهي سلوك اليد وضم الجناح المعبر عنهما بقوله: {فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ} .
فإن قلت: قال هنا: بلفظ {وَقَوْمِهِ} ، وفي القصص بلفظ {وَمَلَئِهِ} فما الفرق بين الموضعين؟
قلت: الفرق بينهما أن الملأ أشراف القوم، ولم يوصفوا ثَمَّ بما وصف به القوم من قوله: {فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (13) وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (14) } الآية، فناسب ذكر القوم هنا؛ ليعم هذا الوصف الكل، وذكر الملأ ثَمَّ.
{وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ (15) }
قال الزمخشري: قوله: {وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ}
فإن قلت: أليس هذا موضع الفاء دون {الواو} ، كقولك: أعطيته فشكر، ومنعته فصبر؟
قلت: بلى، ولكن عطفه بالواو إشعارًا بأن ما قالاه بعض ما أحدث فيهما إيتاء العلم، وشيء من مواجبه، فأضمر ذلك، ثم عطف عليه التحميد، كأنه قال: ولقد آتيناهما علمًا فعملا به وعلماه، وعرفا حق النعمة فيه والفضيلة، وقالا الحمد لله.