وَقَدْ حُكِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ قُطْرُبٍ فِي (قُمِ اللَّيْلَ) فَإِنَّهُ عَدَلَ إِلَى الْفَتْحِ.
وَكَذَلِكَ وَ (بِعَ الثَّوْبَ) وَنَحْوَهُ.
وَذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ في الكتاب: وقرئ (بل أأدرك) بهمزتين (بل آأدرك) بِأَلِفٍ بَيْنَهُمَا (بَلَى أَأَدَّرَكَ) (أَمْ تَدَارَكَ) (أَمْ أَدَّرَكَ) فَهَذِهِ ثِنْتَا عَشْرَةَ قِرَاءَةً، ثُمَّ أَخَذَ يُعَلِّلُ وُجُوهَ الْقِرَاءَاتِ وَقَالَ: فَإِنْ قُلْتَ فَمَا وجه قراءة (بل أأدرك) عَلَى الِاسْتِفْهَامِ؟
قُلْتُ: هُوَ اسْتِفْهَامٌ عَلَى وَجْهِ الْإِنْكَارِ لِإِدْرَاكِ عِلْمِهِمْ، وَكَذَلِكَ مَنْ قَرَأَ (أَمْ أَدَّرَكَ) وَ (أَمْ تَدَارَكَ) لِأَنَّهَا أَمِ الَّتِي بِمَعْنَى بَلْ وَالْهَمْزَةِ، وَأَمَّا مَنْ قَرَأَ (بَلَى أَأَدَّرَكَ) عَلَى الِاسْتِفْهَامِ فَمَعْنَاهُ بَلَى يَشْعُرُونَ مَتَى يُبْعَثُونَ، ثُمَّ أَنْكَرَ عِلْمَهُمْ بِكَوْنِهَا، وَإِذَا أَنْكَرَ عِلْمَهُمْ بِكَوْنِهَا لَمْ يَتَحَصَّلْ لَهُمْ شُعُورٌ وَقْتَ كَوْنِهَا، لِأَنَّ الْعِلْمَ بِوَقْتِ الْكَائِنِ تَابِعٌ لِلْعِلْمِ بِكَوْنِ الْكَائِنِ.
(فِي الْآخِرَةِ) فِي شَأْنِ الْآخِرَةِ وَمَعْنَاهَا.
(بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْها) أَيْ فِي الدُّنْيَا.
(بَلْ هُمْ مِنْها عَمُونَ) أَيْ بقلوبهم واحدهم عموم.
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَما مِنْ غائِبَةٍ فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ)
قَالَ الْحَسَنُ: الْغَائِبَةُ هُنَا الْقِيَامَةُ.
وَقِيلَ: مَا غَابَ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، حَكَاهُ النَّقَّاشُ.
وَقَالَ ابْنُ شَجَرَةَ: الْغَائِبَةُ هُنَا جَمِيعُ مَا أَخْفَى اللَّهُ تَعَالَى عَنْ خَلْقِهِ وَغَيَّبَهُ عَنْهُمْ، وَهَذَا عَامٌّ.
وَإِنَّمَا دَخَلَتِ الْهَاءُ فِي (غَائِبَةِ) إِشَارَةً إِلَى الْجَمْعِ، أَيْ.
مَا مِنْ خَصْلَةٍ غَائِبَةٍ عَنِ الْخَلْقِ إِلَّا وَاللَّهُ عَالِمٌ بِهَا قَدْ أَثْبَتَهَا فِي أُمِّ الْكِتَابِ عِنْدَهُ، فَكَيْفَ يَخْفَى عَلَيْهِ مَا يُسِرُّ هَؤُلَاءِ وَمَا يُعْلِنُونَهُ.
وَقِيلَ: أي كل شيء هُوَ مُثْبَتٌ فِي أُمِّ الْكِتَابِ يُخْرِجُهُ لِلْأَجَلِ الْمُؤَجَّلِ لَهُ، فَالَّذِي يَسْتَعْجِلُونَهُ مِنَ الْعَذَابِ لَهُ أَجَلٌ مَضْرُوبٌ لَا يَتَأَخَّرُ عَنْهُ وَلَا يَتَقَدَّمُ عَلَيْهِ.