وزعم هارون الْقَارِئُ أَنَّ قِرَاءَةَ أُبَيٍّ (بَلْ تَدَارَكَ عِلْمُهُمْ) الْقِرَاءَةُ الْأُولَى وَالْأَخِيرَةُ مَعْنَاهُمَا وَاحِدٌ، لِأَنَّ أَصْلَ (ادَّارَكَ) تدارك، أدغمت الدال في التاء وجيء بِأَلِفِ الْوَصْلِ، وَفِي مَعْنَاهُ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ الْمَعْنَى بَلْ تَكَامَلَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ، لِأَنَّهُمْ رَأَوْا كُلَّ مَا وُعِدُوا بِهِ مُعَايَنَةً فَتَكَامَلَ علمهم بِهِ.
وَالْقَوْلُ الْآخَرُ أَنَّ الْمَعْنَى: بَلْ تَتَابَعَ عِلْمُهُمُ الْيَوْمَ فِي الْآخِرَةِ، فَقَالُوا تَكُونُ وَقَالُوا لا تكون.
القراءة الثانية فيها قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ مَعْنَاهُ كَمُلَ فِي الْآخِرَةِ، وَهُوَ مِثْلُ الْأَوَّلِ، قَالَ مُجَاهِدٌ: مَعْنَاهُ يُدْرَكُ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَيَعْلَمُونَهَا إِذَا عَايَنُوهَا حِينَ لَا يَنْفَعُهُمْ عِلْمُهُمْ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا فِي الدُّنْيَا مُكَذِّبِينَ.
وَالْقَوْلُ الْآخَرُ أَنَّهُ عَلَى مَعْنَى الْإِنْكَارِ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي إِسْحَاقَ، وَاسْتَدَلَّ عَلَى صِحَّةِ هَذَا الْقَوْلِ بِأَنَّ بَعْدَهُ (بَلْ هُمْ مِنْها عَمُونَ) أَيْ لَمْ يُدْرِكْ عِلْمُهُمْ عِلْمَ الْآخِرَةِ.
وَقِيلَ: بَلْ ضَلَّ وَغَابَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ فَلَيْسَ لَهُمْ فِيهَا عِلْمٌ.
وَالْقِرَاءَةُ الثَّالِثَةُ: (بَلِ أدرك) فهي بمعنى (بَلِ ادَّارَكَ) وقد يجيء افْتَعَلَ وَتَفَاعَلَ بِمَعْنًى، وَلِذَلِكَ صُحِّحَ ازْدَوَجُوا حِيْنَ كَانَ بِمَعْنَى تَزَاوَجُوا.
الْقِرَاءَةُ الرَّابِعَةُ: لَيْسَ فِيهَا إِلَّا قَوْلٌ وَاحِدٌ يَكُونُ فِيهِ مَعْنَى الْإِنْكَارِ، كَمَا تَقُولُ: أَأَنَا قَاتَلْتُكَ؟! فَيَكُونُ الْمَعْنَى لَمْ يُدْرِكْ، وَعَلَيْهِ تَرْجِعُ قِرَاءَةُ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ ابن عباس: (بلى ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ) أَيْ لَمْ يُدْرِكْ.
قَالَ الْفَرَّاءُ: وَهُوَ قَوْلٌ حَسَنٌ كَأَنَّهُ وَجَّهَهُ إِلَى الِاسْتِهْزَاءِ بِالْمُكَذِّبِينَ بِالْبَعْثِ، كَقَوْلِكَ لِرَجُلٍ تُكَذِّبُهُ: بَلَى لَعَمْرِي قَدْ أَدْرَكْتَ السَّلَفَ فَأَنْتَ تَرْوِي مَا لَا أَرْوِي وَأَنْتَ تُكَذِّبُهُ.
وَقِرَاءَةٌ سَابِعَةٌ: (بَلَ ادَّرَكَ) بِفَتْحِ اللَّامِ، عَدَلَ إِلَى الْفَتْحَةِ لِخِفَّتِهَا.