والصغائرُ والكبائر من الذُّنوب تُسمَّى ظُلْمَاً؛ ولذلكَ قال مُوسَى {إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي} [القصص: 16] . ويقالُ: إن قولَهُ {إِلاَّ مَن ظَلَمَ} استثناءٌ منقطع، ومعناهُ: لكِنْ مَن ظَلَمَ، فإنه يَخافُني إلاّ أن يتوبَ ويعملَ صالحاً، فإنِّي أغفرُ له وأرْحَمهُ.
والمعنى: إلاّ من ظَلَمَ نفسه بالمعصيةِ {ثُمَّ بَدَّلَ حُسْناً} أي توبةً ونَدَماً {بَعْدَ سُوءٍ} عملهِ
{فَإِنِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ} كأنه قالَ: لا يخافُ لديَّ المرسلونَ الأنبياءُ والتَّائبُونَ.
وقال بعضُهم: (إلاّ) هاهُنا بمعنى (ولا) كأنهُ قال: لاَ يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ ولا مَن ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْناً بَعْدَ سُوءٍ.
(حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَاأَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ(18)
فإن قِيْلَ: بَماذا عرفَتِ النملةُ سليمانَ، وعلى أيِّ سبيلٍ كانت معرفتُها بهِ؟
قُلْنَا: إنَّها كانت مأمورةً بطاعتهِ، فلا بدَّ أن تعرفَ مَن أُمِرَتْ بطاعتهِ، ولا يمنع أنْ تعرفَ الدوابُّ والبهائمُ هذا الضربَ، كما تعرفُ كثيراً من منافعِها ومضارِّها، والنملةُ فيها من الفَهْمِ فوقَ هذا، فإنَّا نشاهدُ صُنْعَهَا في إدخالِ رزْقِهَا وحفظهِ وتعهُّدهِ، حتى إنَّها تكسرُ ما تجمعهُ من الحبوب نصفَين نصفين لئَلاَّ تَنْبُتَ، إلاَّ اللُّوَيْزَةَ فإنَّها تكسِرُها أربعَ قِطَعٍ؛ لأنَّها إذا كسرَتْها نِصفَين تنبتُ، فالذي هَدَاها إلى هذهِ الأمور هو الذي ألْهَمَهَا معرفةَ سُليمانَ عليه السلام.
(فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ(42)
قِيْلَ: أهكذا سَريرُكِ؟