حَتَّى إذَا أَنْفَذَ فِيهِ حُكْمَهُ ... رَدَّ عَلَيْهِ عَقْلَهُ لِيَعْتَبِرْ
(قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ(27)
لَمْ يُعَاقِبْهُ؛ لِأَنَّهُ اعْتَذَرَ لَهُ، وَلَا أَحَدٌ أَحَبُّ إلَيْهِ الْعُذْرُ مِنْ اللَّهِ، وَلِذَلِكَ بَعَثَ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ.
وَكَذَلِكَ يَجِبُ عَلَى الْوَالِي أَنْ يَقْبَلَ عُذْرَ رَعِيَّتِهِ، وَيَدْرَأَ الْعُقُوبَةَ عَنْهُمْ فِي ظَاهِرِ أَحْوَالِهِمْ بِبَاطِنِ أَعْذَارِهِمْ، وَلَكِنْ لَهُ أَنْ يَمْتَحِنَ ذَلِكَ إذَا تَعَلَّقَ بِهِ حُكْمٌ مِنْ أَحْكَامِ الشَّرِيعَةِ، كَمَا فَعَلَ سُلَيْمَانُ؟ فَإِنَّهُ لَمَّا قَالَ لَهُ الْهُدْهُدُ: {إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ} [النمل: 23] لَمْ يَسْتَفِزَّهُ الطَّمَعُ، وَلَا اسْتَجَرَّهُ حُبُّ الزِّيَادَةِ فِي الْمِلْكِ إلَى أَنْ يَعْرِضَ لَهُ، حَتَّى قَالَ: {وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ} [النمل: 24] ، حِينَئِذٍ غَاظَهُ مَا سَمِعَ، وَطَلَبَ الِانْتِهَاءَ إلَى مَا أَخْبَرَ، وَتَحْصِيلَ عِلْمِ مَا غَابَ مِنْ ذَلِكَ، حَتَّى يُغَيِّرَهُ بِالْحَقِّ، وَيَرُدَّهُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى.
* لَوْ قَالَ لَهُ سُلَيْمَانُ: سَنَنْظُرُ فِي أَمْرِك لَاجْتَزَأَ بِهِ، وَلَكِنَّ الْهُدْهُدَ لَمَّا صَرَّحَ لَهُ بِفَخْرِ الْعِلْمِ، {فَقَالَ أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ} [النمل: 22] صَرَّحَ لَهُ سُلَيْمَانُ بِأَنَّهُ سَيَنْظُرُ، أَصَدَقَ أَمْ كَذَبَ فَكَانَ ذَلِكَ كُفُؤًا لِمَا قَالَهُ.
(قَالَ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ(38)
مَا الْفَائِدَةُ فِي طَلَبِ عَرْشِهَا؟:
قِيلَ: فِيهِ أَرْبَعُ فَوَائِدَ: الْفَائِدَةُ الْأُولَى: أَحَبَّ أَنْ يَخْتَبِرَ صِدْقَ الْهُدْهُدِ.
الثَّانِيَةُ: أَرَادَ أَخْذَهُ قَبْلَ أَنْ تُسْلِمَ، فَيَحْرُمَ عَلَيْهِ مَالُهَا.
الثَّالِثَةُ: أَرَادَ أَنْ يَخْتَبِرَ عَقْلَهَا فِي مَعْرِفَتِهَا بِهِ.
الرَّابِعَةُ: أَرَادَ أَنْ يَجْعَلَهُ دَلِيلًا عَلَى نُبُوَّتِهِ؛ لِأَخْذِهِ مِنْ ثِقَاتِهَا دُونَ جَيْشٍ وَلَا حَرْبٍ.