قِيلَ: هَذَا نَظِيرُ مَا قَدْ بَيَّنَّا قَبْلُ مِنْ إِظْهَارِ الْعَرَبِ الْخَبَرَ فِي أَمْرٍ كَانَ مِنْ وَاحِدٍ عَلَى وَجْهِ الْخَبَرِ عَنْ جَمَاعَةٍ إِذَا لَمْ يَقْصِدْ قَصْدَ الْخَبَرِ عَنْ شَخَصٍ وَاحِدٍ بِعَيْنِهِ، يُشَارُ إِلَيْهِ بِعَيْنِهِ، فَسُمِّيَ فِي الْخَبَرِ.
وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ الرَّسُولَ الَّذِي وَجَّهَتْهُ مَلِكَةُ سَبَأَ إِلَى سُلَيْمَانَ كَانَ امْرَءًا وَاحِدًا، فَلِذَلِكَ قَالَ: {فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ} يُرَادُ بِهِ: فَلَمَّا جَاءَ الرَّسُولُ سُلَيْمَانَ؛ وَاسْتَدَلَّ قَائِلُو ذَلِكَ عَلَى صِحَّةِ مَا قَالُوا مِنْ ذَلِكَ بِقَوْلِ سُلَيْمَانَ لِلرَّسُولِ: {ارْجِعْ إِلَيْهِمْ} وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّ ذَلِكَ فِي قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ (فَلَمَّا جَاءُوا سُلَيْمَانَ) عَلَى الْجَمْعِ، وَذَلِكَ لِلَّفْظِ قَوْلُهُ: {بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ} [النمل: 35] فَصَلُحَ الْجَمْعُ لِلَّفْظِ وَالتَّوْحِيدُ لِلْمَعْنَى.
{وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ (87) }
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: وَكَيْفَ قِيلَ: فَفَزِعَ، فَجَعَلَ فَزِعَ وَهِيَ فَعِلَ مَرْدُودَةً عَلَى يُنْفَخُ، وَهِيَ يُفْعَلُ؟
قِيلَ: الْعَرَبُ تَفْعَلُ ذَلِكَ فِي الْمَوَاضِعِ الَّتِي تَصْلُحُ فِيهَا إِذَا، لِأَنَّ إِذَا يَصْلُحُ مَعَهَا فَعَلَ وَيَفْعَلُ، كَقَوْلِكَ: أَزُورُكَ إِذَا زُرْتَنِي، وَأَزُورُكَ إِذَا تَزُورُنِي، فَإِذَا وُضِعَ مَكَانَ إِذَا يَوْمَ أُجْرِيَ مَجْرَى إِذَا.
فَإِنْ قِيلَ: فَأَيْنَ جَوَّابُ قَوْلِهِ: {وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ} [النمل: 87] قِيلَ: جَائِزٌ أَنْ يَكُونَ مُضْمَرًا مَعَ الْوَاوِ، كَأَنَّهُ قِيلَ: وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِمَا ظَلَمُوا فَهُمْ لَا يَنْطِقُونَ، وَذَلِكَ يَوْمَ يَنْفُخُ فِي الصُّورِ.
وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ مَتْرُوكًا اكْتَفَى بِدَلَالَةِ الْكَلَامِ عَلَيْهِ مِنْهُ، كَمَا قِيلَ: {وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا} [البقرة: 165] فَتَرَكَ جَوَابَهُ. انتهى انتهى {تفسير الطبري} ...