بل لعموم كونه معجزاً فيكون قبول ذلك وردّ الآخر ترجيحاً لأحد المثلين من غير مرجح. وثالثها أنهم بتقدير رؤية الرب وتصديقه لرسوله لا يستفيدون علماً أزيد من تصديق المعجزات ، لا فرق بين أن يقول النبي اللهم إن كنت صادقاً فأحي هذا الميت فيحييه ، وبين أن يقول إن كنت صادقاً فصدّقني فتعيين أحد الطرفين محض العناد. ورابعها أن العبد ليس له أن يعترض على فعل مولاه إما بحكم المالكية عند الأشعري أو بحكم المصلحة عند المعتزلي. وخامسها أن السائل الملح المعاند الذي لا يرضى بما ينعم عليه مذموم وإظهار المعجز من جملة الأيادي الجسيمة فرد إحداها واقتراح الأخرى ليس من الأدب في شيء. وسادسها لعل المراد أني لو علمت بأنهم ليسوا مستكبرين عاتين لأعطيتهم مطلوبهم لكني علمت إنهم إنما سألوا لأجل المكابرة والعناد فلا جرم لا أعطيهم.
وسابعا لعلهم عرفوا من أهل الكتاب أن الله تعالى لا يرى في الدنيا وأنه لا ينزل الملائكة على عوام الخلق ، ثم إنهم علقوا إيمانهم على ذلك فهم مستكبرون ساخرون. واستدلت الأشاعرة بقوله: {لا يرجون لقاءنا} على أن رؤية الله مرجوّة. واستدلت المعتزلة بقوله {لقد استكبروا} {وعتواً} أن اقتراح الرؤية مستنكر ولا يخفى ضعف الاستدلالين: وانتصب {يوم يرون} بإضمار"اذكر"فيكون {لا بشرى} مستأنفاً أو بما دل عليه {لا بشرى} أي يوم يرون الملائكة يمنعون البشرى بالجنة وبرؤية الحق. {يومئذ} للتكرير وقوله {للمجرمين} ظاهر في موضع الضمير أو عام فيتناول هؤلاء لعمومه ، ولأجل هذا العموم استدلت المعتزلة به على القطع بوعيد كل مجرم وإن كان من أهل القبلة ، وحمل الأشاعرة الجرم على الكفر.